ومانهاية هذا الوضع المآساوي الذي يجد الفلسطينيون أنفسهم فيه الآن؟ إن أكثر المتشائمين ما كان ليصل بهم الخيال إلي تصور وضع كهذا! معقول.. الفلسطيني يرفع بندقيته في وجه شقيقه الفلسطيني بل ويصوبها نحو قلبه, ثم يضغط علي الزناد ليقتله؟ هل كان أحد يتخيل ان يحدث ذلك؟ هل بلغ الخيال حد أن ننظر فاذا فلسطيني يخرج بمدفعه الرشاش فيفرغ رصاصاته المأفونة علي سيارة تحمل أطفالا صغارا آمنين في طريقهم إلي المدرسة؟ وأطفال من؟ أطفال فلسطيني مثله؟ أي ألم وأي عذاب يمكن أن يشعر بهما المواطن العربي وهو يسمع ويشاهد ما يجري الان؟ نحن اذن أمام اقتتال داخلي مرير بين الأشقاء قد يتطور ـ لاسمح الله ـ ليتحول إلي حرب أهلية!
يافرحة الأعداء ويالشماتتهم فينا! صدق أو لا تصدق: الفتحاوي يخرج ليقتل شقيقه من حماس, والحماسي يرفع راية الجهاد ليس ضد الأعداء الحقيقيين بل ضد أخيه من فتح!
أما آن لهذه المهزلة ان تتوقف؟ طبعا سنجد من يقول( ومعه كل الحق!) ان هذا هو حال العرب كلهم الآن ألم تر إلي العراقي الشيعي يخرج ليقتل شقيقه العراقي السني( والعكس)؟ ثم ألم تسمع عن اللبناني الذي ينتمي للأكثرية يخرج لتخوين شقيقه المنتمي إلي المعارضة( الاقلية) ولا يعرف المرء بالضبط علي أي أساس تم تصنيف هؤلاء وهؤلاء, أليسوا جميعا لبنانيين وعربا؟ ولن نتحدث عن بقية حلقات السلسلة في السودان والصومال وغيرهما فالقصة معروفة!
ولنعد إلى فلسطين, ونسأل: وما الحل؟ هنا يمكن للمراقب أن يرصد مجموعة ملاحظات, أولا: ان ثمة خطوطا كانت حمراء في السياسة الفلسطينية في الماضي تم تجاوزها, بل ودهسها بالأحذية, ومن بينها أن الدم الفلسطيني حرام علي الفلسطينيين حيث لا يصح ابدا ان يريق فلسطيني دم شقيقه والمطلوب الان هو العودة إلي التمسك بهذا المبدأ.. وعلى الشارع الفلسطيني ان يرغم الساسة المتشاجرين علي العودة إلي هذا الخط الأحمر, فلتخرج المظاهرات والمسيرات والحشود صارخة بنداء واحد يهز أركان الدنيا: الدم الفلسطيني حرام علي الفلسطينيين!
وثانيا: أن علي الفرقاء السياسيين, سواء من فتح أو حماس أو غيرهما, أن يتوقفوا ـ ولو لمدة48 ساعة ـ عن اطلاق التصريحات النارية والشتائم والاتهامات, وليتحدثوا لغة هادئة محايدة تبني ولا تهدم. تطفئ الحريق ولا تزيد في اشتعاله, كما أنه سيكون من المفيد في هذا الصدد التوقف عن اللغة الساخنة والكلمات الملتهبة في وسائل الإعلام المختلفة, والتي لا يسعي بعضها إلا إلي الاثارة وجذب المزيد من المشاهدين!
وثالثا:أن يسعي العقلاء علي الساحة الفلسطينية ـ وعلي رأسهم الرجل المتزن المتمرس صاحب التاريخ النضالي الطويل محمود عباس( أبومازن) ـ إلي جمع كل الفرقاء علي طاولة واحدة لبحث امكانية ترميم ما انكسر, واصلاح ذات البين, ولينس الجميع غضبهم المتأجج ورغبتهم المسيطرة علي عقولهم بضرورة الأخذ بالثأر, لانه لاثأر بين فلسطيني وفلسطيني, حيث الكل ضحايا لاحتلال واحد ولعدو واحد, وقضيتهم لها هدف واحد هو التخلص من هذا الاحتلال.. فهل يسارع العقلاء علي الساحة الفلسطينية إلي تدارك الأمور قبل فوات الأوان؟
ويبقي رابعا ان علي الكبار في المنطقة العربية ـ وعلي رأسهم مصر والسعودية والاردن وسوريا ان يسارعوا إلى احتواء هذا الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني بأي ثمن.