ذكر لي أحد الأخوة العرب بأنه يلاحظ أن لدينا كإماراتيين حساسية عالية تجاه الأجانب أولاً، وبأن الصحافة تلعب على هذا الوتر بشكل غير صحي، أما ثانياً فانه يستغرب تحسسنا الشديد تجاه مسألة البطالة بين شباب الإمارات مع انه يعتقد أن الأرقام التي تعلن عبر وسائل الإعلام مبالغ فيها، وأن البعض يقصد تضخيم المشكلة ليولد حالة من الالتفاف الوطني في المجتمع تجاه خطر معين، بمعنى أن هناك من يحاول استنهاض روح الإحساس والخوف على الوجود لدى الإماراتيين بإشاعة أن الأجانب يسرقون خيراتهم وأرزاق أجيالهم ووظائفهم.
والحق أن كثيراً من الأخوة العرب، يشاركوننا هذا الخوف، ويجدون لنا المبرر الحقيقي له، لما يلمسونه من طغيان الأجانب على الوضع السكاني أولاً، وعلى سوق العمل، والأخ الذي حدثني مؤخراً لديه نفس هذا الوعي بالخطر، لكنه يعتقد بأن المسألة بدأت تأخذ شكل الهاجس المرضي، الذي جعل الإماراتيين يضعون أنفسهم في موقع الدفاع عن النفس بشكل مبالغ فيه، وأحياناً يتسبب في جرح مشاعر الآخرين الذين ينتابهم شعور بأنهم غير مرغوب في وجودهم.
أنا اتفق مع الأخ العربي في بعض النقاط وأخالفه في بعضها، اتفق معه بحقنا في الخوف على واقعنا وأرزاقنا ووظائف أجيالنا، فهذه حقوقنا البديهية التي تقرها حقوق المواطنة ويثبتها الدستور في مواده المختلفة، ويتطلبها واقع الانتماء والموالاة للوطن، فوطن لا أحصل فيه على وظيفة ولا أشعر فيه بالاستقرار والأمان على مستقبلي ومستقبل أبنائي كيف يمكنني أن أمنحه ولائي؟ وكيف سيختلف هذا الوطن عن أي قطعة أرض أو بلد آخر على وجه الكرة الأرضية؟
نعم، من حق أبناء الإمارات، الذين أنفقت الدولة مليارات الدولارات لتعليمهم في أرقى الجامعات شرقاً وغرباً، وخلال عقود من الزمن، معتبرة أنها كانت خلال ذلك تستثمر في الإنسان ليرتد إليها ناتج الاستثمار قوة عمل متعلمة متدربة متمكنة قادرة على تبعيات وأعباء التنمية الدائمة والمستمرة في الإمارات،
هؤلاء إذا لم يجدوا فرص العمل المناسبة ـ وما أكثرها ـ في وطنهم فأين سيجدونها يا ترى؟ هل سيكون الأخوة العرب والأجانب سعداء إذا وجدوا هؤلاء الشباب يحزمون حقائبهم ليقفوا على أبواب السفارات بحثاً عن تأشيرات هجرة أو عمل إلى خارج الإمارات؟ لا أظن.
ليست لدينا حالة مرضية في التعامل مع الآخر، الأجنبي أو العربي، بل على العكس، نحن من أكثر شعوب الدنيا ـ حكومة وشعباً ـ اقتداراً وقدرة على استيعاب الآخرين، على استيعاب الثقافات، على استيعاب الوجود، على التعامل والتوافق والتفاهم مع الآخرين على ما هم عليه بدون تشنج أو صدامات، لكن هؤلاء الآخرين اليوم يصنعون واقعاً مخيفاً لنا،
يحق لنا أن نتوجس منه، لاعتبارات كثيرة ومعروفة ويحق لنا أن نرفض هذا الواقع وأن لا نندمج فيه ونتقبل شروطه لأنه ببساطة ضدنا، وليس من العقل أو الحكمة أن نقبل أمراً أو واقعاً هو ضدنا وبهذا الشكل، وعليه يحق لنا رفضه، والتعبير عن هذا الرفض ووضع الآليات لإيقاف خطورته!