لم يكن القول العربي النافذ «الكتاب يقرأ من عنوانه» قولا عبثيا أو عبيطاً، بل كان قولا نافذا مفعما بالعبر ومختزلا للتجارب والأحداث والخبرات العديدة، وهو قول وجدته ممثلا لحال بعض من كسب المقعد النيابي، ومتجاوزا في بعضه لتلك الحالة الفردية المفرطة ومتجها نحو حالة جماعية. ونذكر بعضاً آخر منهم أن من عجز أن يكون نائبا للأمة في مجلس سابق لن يكون كذلك في مجلس لاحق، ومن جاء منهم من الجدد بفزعة عصبوية لن يكون هو الآخر كذلك ممثلا للأمة في مجلس دخله للتو.
حقا لا يستطيع جل أو بعض من دخل هذا المجلس أن يقول إنه يمثل كل مكونات المجتمع البحريني بسنته وشيعته بمسيحييه ومسلميه وأديانه الأخرى، بفقرائه وأغنيائه، بعربه وعجمه وحتى من دخل عليه مستوطنه أو جاعلا منه وطنا جديدا له مؤخرا من الإثنيات الأخرى، بدا هؤلاء عاجزين في داخلهم عن تمثيله وإن عجت بهم خيامه الانتخابية ورجحت كفته في الفوز على بعضهم الآخر.
إن من دخل هذا المجلس بجل شخوصه إما أنه قد دخله بفزعة مذهبية أو انه قد دخله بفزعة عصبوية قبلية أو بنجدة جاءت من الأرض وليس السماء فاستحق أصحابها بجدارة ما أسماه البعض بلقب «نواب المراكز العامة». وهم في جل حالاتهم يمثلون تضامنيات ما قبل حداثية تم استحضارها بقوة في انتخاباتنا الأخيرة.
وأعتقد أن من يتحمل ما جاء على هذا المجتمع خلال أسابيعه وأشهره الماضية وما سيحصل لهذا المجتمع من جراء ذلك، شخوص كثيرة وجماعات عديدة ورموز عدة، يأتي في طليعتها التنظيمات الإسلامية الثلاثة التي سيطرت على مقاعد هذا المجلس، والتي بدت مختطفة للمجتمع بكل تلاوينه وتشكيلاته، وجعلت منه مجتمع طوائف وأعراق، وهي التي جعلت من أفراد هذا المجتمع أتباعا لها، لا مواطنين لهم كل الحقوق المتساوية وعليهم كل الواجبات.
وقسموا مجتمعنا إلى موالاة ومعارضة على أساس مذهبي بغيض، وهم في جلهم أبعد أن يكونوا من المولاة وأضعف أن يكونوا من المعارضة بالصورة التي نفهمها لكلا التعبيرين. وهي التي في جلها لعبت دورا لا يمكن أن يكون في جله بناء فزينت من صورة أشخاص حلقاتها الضيقة ومن أتباعها المقربين ورفعتهم مراتب لا يستحقونها، وأخافت ولربما شوهت من صورة البعض الآخر، بل إنها قد قطعت من أوصال وعلاقات ونسيج هذا المجتمع: بين سنته وشيعته وبين دولته وشعبه. واستأثرت القلة القليلة منها بكل المكاسب وتم بيع البعض الآخر كما بيع أو بالأحرى أكل الثور الأبيض في يومه المشؤوم.
سم من دخل هذا المجلس ماشئت من مسميات: نواب طوائف إسلامية أو نواب تضامنيات ما قبل حداثية أو نواب التنظيمات الإسلامية أو في بعضهم نواب المراكز العامة أو نواب إسلام سياسي أو... أو.. أو... إلا أنهم في عمومهم ليسوا بنواب كل الأمة، حتى طوائفهم التي أدعوا أو دعوا إلى تمثيلها لم يكن لها شأن أو قول في اختيارهم، ولو كان ذلك بيدهم لما جاءوا بهم أو ببعضهم.
فالأمة لم تأت بهم إلى هذا وإن حصد بعضهم جل الأصوات، وهم لم يكونوا خيارها إنما هم كانوا وبقوة خيار تنظيماتهم السيا ـ دينية وخلاياها اليقظة والنائمة، بل إن بعضهم كانوا نتاج محسوبيات ومراتب ولربما «مراشي» (من رشوة اجتماعية أو قرابية) داخل تنظيماتهم السياسية بل داخل حلقاتهم التنظيمية الضيقة.
إن لحظة فرض بعضهم على هذه الأمة قد تمت منذ اللحظة الأولى التي تركنا لبعض هؤلاء أن يختطفوا الدين وأن يتحدثوا باسمه وأن يكون أوصياء الله سبحانه على عبادة الضعفاء. إن على أيدي بعضا من هؤلاء يتم تحويل ديننا العظيم دين العلم والمعرفة والرحمة الواسعة إلى دين تكفير الفرق والملل والجماعات،
وبعد أن كان هذا الدين واسعا بوسع رحمة الخالق ضاق على أيدي هؤلاء إلى حلال وحرام ودار كفر وإيمان، وبعد أن كانت المغفرة والرحمة والحساب شأنا ربانيا لله وحده لا شريك له أصبحت على أيدي هؤلاء شأنا خاصا بهم يكفرون البعض أو يوصمونهم بالمعصية والخروج والمروق على الدين ويبشرونهم بالنار.
ولا أعرف حقا من هو العاصي لأخلاق ومُثُل وروح ديننا الحنيف، وهل ضمن هؤلاء الجنة حتى يضمنوها لغيرهم وهل ما قاموا بفعله واقترفوه بحق الآخرين وما تفوهت به ألسنتهم من قذف وشتم ونميمة وتكفير للآخر وما فعلوه من دسائس، ليس بفعل باطل يعاقب الخالق عليه.
لم أشأ أن أحبط بعض أو جل من دخل هذا المجلس الذي آمل ألا يكون مقعده حكرا دائما عليه، بفزعة أو بدون فزعه، وآمل أن يكون صندوق الاقتراع عاكسا حقيقيا لخيارات الناس على الواقع وممثلا لها. وفي الحقيقة فإن ما شاهدته وسمعته عن الناس ومن الناس خلال الأسابيع القليلة الماضية يعكس حقيقة قولنا الشائع بان «الدنيا بخير». نعم الدنيا لم تعدم ولن تعدم برجالاتها الطيبين. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني