صادف العاشر من ديسمبر الماضي الذكرى الثامنة والخمسين على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948، ومن المفروض أن تكون هذه الذكرى مناسبة جديرة باحتفال العالم باعتبارها تتعلق بتحقيق أحد أنبل وأشرف الإنجازات التي حققتها البشرية.. لكن احتفال الإنسان العربي بهذه الذكرى في كل عام كان احتفالا يكتسب لونا وطعما يختلف عن كل ما يعرفه أي إنسان آخر يعيش في نصف الكرة الشمالي.

فمن المفارقات المثيرة أن يكون العام 48 الذي شهد صدور هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو نفسه العام الذي شهد مأساة انتهاك كل حقوق الإنسان العربي الفلسطيني بوعد وتواطؤ بريطاني، وباعتراف ودعم أميركي، وبقرار عالمي، مع إعلان قيام (دولة إسرائيل) في وطن الشعب الفلسطيني وعلى حساب قيام دولته الوطنية ونيل حقوقه الشرعية في الاستقلال والحرية والكرامة الإنسانية .

ويأتي احتفال العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان بينما الإنسان العربي العراقي يواجه أبشع مأساة إنسانية دموية لانتهاك حقوقه الوطنية والإنسانية على يد الاحتلال الأميركي وتوابعه من الإرهاب الأسود، وتخرج من سجون الاحتلال في «أبوغريب» وغيرها صور حافلة بالجرائم البشعة وناطقة بالوحشية اللاإنسانية التي يرتكبها يوميا جنود أكبر الدول صياحا بنشر الديمقراطية، وأعلى أصوات الدنيا إدعاء بدعم حقوق الإنسان.

وكما تجري المجازر والجرائم والاعتقالات والتعذيب في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان على يد جنود الاحتلال الصهيوني في فلسطين العربية تمتد هذه الجرائم اللاإنسانية على يد جنود الاحتلال الأنجلو أميركي في العراق العربي، تواصل قوات الاحتلال الأطلسية الاحتفال بانتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان الإسلامية في أكثر مشاهد العصر فضحا لزيف شعارات أقطاب نصف الكرة الشمالي المتباكين على حقوق الإنسان في دارفور العربية وفى الصومال الإسلامية.

كما يأتي اليوم العالمي لحقوق الإنسان هذا العام بينما يعاني سكان نصف الكرة الجنوبي في دول العالم الثالث من مآسي الجوع والفقر والمرض، ومن مشاكل ضعف التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية بسبب النهب الاستعماري الذي مارسته دول الشمال للثروات الطبيعية لمستعمراتها الإفريقية والآسيوية واللاتينية في دول الجنوب، وبسبب أعباء الديون الهائلة وفوائدها الباهظة تحت عناوين المساعدات والمعونات الأجنبية للدول النامية.

ويكفى أن نعلم أن دول الجنوب كانت ومازالت حتى اليوم مع تخلفها وفقرها وديونها مصدراً لرفاهية دول الشمال، ففي عقد واحد فقط هو عقد الثمانينات حولت الدول النامية المدينة إلى الدول المتقدمة الدائنة ما يقرب من 1000 مليار دولار قيمة الفوائد فقط للديون، ودون قيمة الأقساط، ومع بقاء أصول الديون ثابتة دون قدرة على السداد، أي بمعدل تحويل شهري بما يصل إلى 7مليارات دولار، وهل تعلم أن هذه الفائدة لو وزعت على سكان الشمال لحصل كل فرد على 1000 دولار شهريا لمدة تسع سنوات !!

هذا فضلا عن قيام دول الجنوب بتحويل ما يقرب من 1500 مليار شهريا مقابل ضرائب حقوق الملكية الفكرية وتحويلات أرباح مشروعات الاستثمار الأجنبية للشركات العابرة للقارات، ولك أن تتصور أن هذه الأموال المستنزفة من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني هي حصاد دماء وعرق ودموع الإنسان في عالم الجنوب. وبينما يصل متوسط دخل الفرد في بلد مثل سويسرا على سبيل المثال إلى 650000 دولار سنويا يصل متوسط حد الفقر الذي حدده البنك الدولي بـ 400 دولار فقط في العام أي بأقل من دولارين يوميا!!

وهل يمكنك أن تتخيل أنه في ظل احتفالنا باليوم العالمي لحقوق الإنسان في عالم القرن الحادي والعشرين الذي حققت فيه البشرية أعظم الإنجازات العلمية، وارتفعت فيه معدلات التنمية الاقتصادية إلى حدود غير مسبوقة وازدادت حملة دول الشمال الديمقراطية الكبرى على عقاب دول العالم الثالث للدفاع عما تدعيه من حرص على حقوق الإنسان تصدم مشاعرك الإنسانية صور غير إنسانية مخيفة.

فهناك رغم إعلان التنمية للألفية الثالثة الصادر عن القمة العالمية للأمم المتحدة 8 ملايين إنسان في العالم يموتون سنويا تحت وطأة الجوع أكثر من نصفهم من دول عربية وإسلامية (4 ,4 )، وهناك 550 مليونا يبيتون جياعا كل ليلة، بينما يعانى 5 ,1 مليون إنسان الفقر المدقع،

بالإضافة إلى مليار يعيشون بدولار واحد فقط يوميا ، فى حين يعيش مليارا إنسان بأقل من دولارين يوميا.. أي عالم هذا ؟! وحقوق الإنسان فيه طبقا للإعلان عادلة ولكنها تطبق على إنسان في نصف هذا العالم دون إنسان في نصفه الآخر!.

ومازلنا كل يوم عالمي لحقوق الإنسان نشهد أكثر من اعتداء على حق الإنسان وحرية الإنسان وكرامة الإنسان و صحيح أننا نشهد في اجتماعات المجلس الدولي لحقوق الإنسان صحوة غالبة على الضمير العالمي انتصارا لحقوق الإنسان ولكن مناقشاته تكشف العديد من صور النفاق والتناقض وازدواج المعايير عند تصويت الدول الغربية الكبرى المدعية بالدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضية عربية أو أسلامية.

من هنا لم يكن غريبا أن يتعجب « كوفي عنان» الأمين العام للمنظمة الدولية قبل نهاية ولايته في اليوم العالمي لمكافحة الفقر: «أن المشكلة تكمن في أن تعهدات الدول الكبرى الغنية و المتقدمة بقيت مجرد أقوال دون الأفعال».

ومازالت كلمات الأديب المصري العربي في حفل حصوله على جائزة نوبل العالمية الذي تواكب مع الذكرى الأربعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو يخاطب ضمير المثقفين في العالم قائلاً بلغة عربية واضحة« أنا قادم من عالم ثالث ينوء تحت أثقال الديون، يهلك منه أعداد في آسيا بالفيضانات، ويهلك آخرون في إفريقيا بالمجاعة وهناك في إفريقيا في الجنوب ملايين المواطنين قضى عليهم بالحرمان من أي حقوق للإنسان..

وعن ذروة الدراما الإنسانية في فلسطين أضاف قائلا: في الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم، وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم، هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائى وهو أن يكون لهم فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة رجالا ونساء وأطفالا تكسيرا للعظام، وقتلا بالرصاص، وهدما للمنازل، وتعذيبا في المعتقلات، ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب والمسلمين يتابعون ما يحدث بغضب مما يهدد المنطقة بالكارثة، إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام العادل والشامل».

وتبقى الذكرى والمفارقة دوما توأمان، ذكرى إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 48 وذكرى الإعلان الإسرائيلي في العام نفسه بمصادرة حقوق الإنسان العربي الفلسطيني. ومعهما يبقى السؤال دائما.. حقوق الإنسان.. لأي إنسان؟ .. للمعتدى محتل الأرض.. أي أرض والمصادر للحقوق .. أية حقوق؟ .. أم للمدافع عن أرضه وعن حقوقه الإنسانية المشروعة والمقاوم للعدوان؟؟والإجابة البديهية الواضحة قد تأتي من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن بكل تأكيد، لن تأتي من مجلس الأمن.

ممدوح طه

كاتب مصري