طغت المخاوف من الاقتتال الطائفي في العراق بشكل لا مواربة فيه في «حوار المنامة» الذي عقد يومي 8 و9 من هذا الشهر في العاصمة البحرينية، إلى حد تأكدت فيه القناعة أن المرجل العراقي لم يعد يفور بمنازعات داخلية بل بات جاهزا لتصدير شظاياه إلى بقية دول المنطقة.
فالمسؤولون السعوديون تخلوا عن تحفظهم الدبلوماسي وباتوا يحذرون علنا من مخاطر الاقتتال الطائفي وباتوا يرسلون الرسائل صريحة ومغلفة أيضا. ففي خطابه أمام «حوار المنامة» أعلن رئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودي الأمير مقرن بن عبدالعزيز أن «عدم الاستقرار في العراق وتدهور الأوضاع إلى شبه حرب طائفية بغيضة يلقي بظلاله على امن واستقرار دول الخليج الأخرى». (وكالة الصحافة الفرنسية - 8 ديسمبر).
ورغم تهوين مسؤول مثل موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي من مخاطر هذا الاقتتال وتحفظه على مفردة «الحرب الأهلية» بقوله إن الاقتتال «محصور وعلى نطاق ضيق»، فان مصدر القلق الحقيقي لا يأتي من هنا بل من هذا الارتباك الذي تجد فيه إدارة بوش نفسها فيه حيال العراق. لقد غاص الأميركيون في الوحول العراقية إلى حد فقدوا فيه القدرة على معرفة الاتجاهات.
لكن هذه الصيحات الدبلوماسية المتصاعدة المحذرة مما يجري في العراق تجد تفسيرها الأهم في تزامنها مع صدور تقرير بيكر ـ هاملتون، فالصيحات بدت أكثر صراحة وباتت تتخذ أشكالا مواربة أخرى على شكل تصريحات سرعان ما يتم نفيها بعد أن توصل الرسالة وبيانات لرجال دين وأكاديميين تحذر من حرب طائفية.
لقد انطوى التقرير على جرعات من الصراحة في نقد الإدارة الأميركية وسياستها في العراق. والكشف عن أخطاء الإدارة وفكرة استعانة الإدارة أيضا بلجنة غير رسمية طلبا للنصيحة لا تعطي جيران العراق سوى رسالة واحدة: إدارة مرتبكة ولا تعرف كيف تتصرف في مرجل بات يغلي والوضع يفلت من زمام السيطرة.
يبدو التقرير وكأنه أعجوبة في نقد الإدارة وسابقة أولى، لكنه لم يفعل سوى أن أعاد التذكير بكل التحذيرات التي سبقت غزو الولايات المتحدة حول تبعات مثل هذا الغزو. والأخطاء التي ترتب عليها هذا الوضع أقدم عليها الأميركيون منذ الأيام الأولى لاحتلالهم للعراق. لكن ثمة ما هو أكثر رعبا من هذا الاستدراك لان فكرة أن الولايات المتحدة لا تملك برنامجا محددا في العراق بات الآن أكثر من احتمال بل حقيقة يمكن أن تفتح مصاريع جهنم لا في العراق بل في المنطقة بأسرها.
لم تفقد الإدارة خياراتها فقط في العراق فحسب، بل إن بوصلتها تبدو وقد فقدت الاتجاه في الفوضى التي يريد المحافظون الجدد أن يرسموا بها خريطة المنطقة، ولا غرابة هنا إذا كان استذكار اتفاقية «سايكس - بيكو» أكثر ما التصق بالحديث عن السياسة الأميركية في العراق. يبدو الجنرال جون أبي زيد قائد القوات المركزية الأميركية أفضل من يعبر عن هذا التيه وهذا الاستدعاء التاريخي عندما يحذر في 18 نوفمبر الماضي من «أن العالم سيواجه حربا عالمية ثالثة إذا لم يجد وسيلة لوقف تزايد التشدد الإسلامي» (رويترز 18 نوفمبر 2006).
ويبدو أبي زيد أكثر وضوحا عندما يحدد أن المخاطر التي تهدد الشرق الأوسط تتقاطع في العراق تحديدا عندما يقول: «العالم يواجه ثلاث عقبات رئيسية في إشاعة الاستقرار في الشرق الأوسط» وهي تخفيف التوترات بين العرب وإسرائيل ووقف انتشار التطرف والتعامل مع إيران التي تتهمها واشنطن بالسعي إلى تطوير أسلحة نووية. وقال أبي زيد «وتصادف أن تجمعت المشكلات الثلاث في مكان واحد اسمه العراق».
يعيد تقرير بيكر ـ هاملتون ربط النجاح في العراق بحل الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما اعتبر إحياء للمقاربة التي طرحها جيمس بيكر وجورج بوش الأب بعد حرب الخليج عام 1991 والتي أثمرت انعقاد مؤتمر مدريد للسلام. لكن تقرير بيكر ـ هاملتون لم يستقبل بالكثير من التوقعات ويبدو من النوع الذي يقرأ على أكثر من وجه لكل طرف حسب موقعه من النزاع، لكن باحثا مثل انتوني كوردسمان الخبير الأميركي المخضرم في شؤون المنطقة لم يتردد في التعليق على توصياته بالقول «تمخض الجبل فولد فأرا». (موقع سويس انفو على الانترنت - 7 ديسمبر).
ليس من الضرورة أن يكون التقرير دليل الإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة، بل هو يستبعد ذلك أصلا في مقدمته، لكنه إذا ما قرأ في سياق المشهد كله، فانه يلقي بنتيجة أكثر رعبا: الفشل الأميركي في العراق. تبعات الفشل الأميركي في العراق لا تعني إلا أمرا واحدا: الحرب سلسلة حروب وأشكال من الحروب ربما.
والآن فقط يكتشف الأميركيون والعالم أيضا أن أولئك المجانيين الذين روجوا للحرب على العراق ونشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب لم يفعلوا سوى أن قدموا استعراضا دمويا في الفشل. والثمار واضحة للغاية: تنامي الإرهاب بشكل لا يوصف منذ احتلال العراق، وبات الاحتلال هو الذي يجذب الإرهابيين ويعطيهم الدافع والحافز. وذات يوم كان بعض البلهاء من خبراء الحرب على الإرهاب في «واشنطن دي سي» يعلنون أن احد أهداف غزو العراق هو جذب الإرهابيين إلى هناك للقضاء عليهم.
أيقظت الديمقراطية التي أراد المحافظون الجدد نشرها طموحات الطوائف لأنهم هم الذين بنوها على أساس طائفي. فلقد نظموا انتخابات في العراق للشيعة والسنة والأكراد والأقليات وهم الذين كرسوا المحاصصة الطائفية. والآن انفتحت أبواب الجحيم وبات الجميع يحذر من عواقب الحرب الطائفية. فأي رؤية هذه استندوا إليها عندما قرروا غزو العراق؟ وأي رؤية يملكون لمستقبل العراق؟.
لمن يملك ذاكرة حقيقية لا تصدأ سيتذكر حتما تلك التوصيات الشهيرة لهنري كيسنجر في سبعينات القرن العشرين بإغراق المنطقة في الصراعات الطائفية والعرقية. لقد رأينا تمرينا دمويا في لبنان على مدى 16 عاما فهل من المستغرب أن تتردد الصيحات من «لبننة العراق» وهل هي مبالغة؟
كاتب بحريني