أين تنتهي «معاداة السامية» في بلدان الغرب لتبدأ حرية البحث العلمي الأكاديمي؟ هذا هو السؤال الموضوعي الرئيسي الذي تناوله المؤتمر الذي عقد في طهران هذا الأسبوع حول «المحرقة اليهودية». السؤال لا ينطلق من فراغ، فالمادة التاريخية المسجلة عن هذه «الحادثة» تحفل بثغرات عديدة سواء من حيث الشك في وقوعها أصلاً أو من حيث أن الرواية مبالغ فيها.
من هذا المنطلق فإن قصة المحرقة ينبغي أن تكون موضع اهتمام نوعين من الناس: قبيلة المؤرخين الأكاديميين ـ خاصة الأوروبيين ـ من ناحية، والشعب الفلسطيني من ناحية أخرى. فبينما يتوجب على المؤرخين الأوروبيين بحكم حرفتهم الأكاديمية أن يتحققوا من مدى صدقية الروايات التاريخية، فإن من حق الشعب الفلسطيني بوجه خاص أن يعرف مدى صحة أو عدم صحة المحرقة، لأنه على أساس افتراض صحتها بصورة لا تقبل الشك أقيمت الدولة الإسرائيلية على أرض الفلسطينيين كوطن قومي للأمة اليهودية.
لهذا لا أفهم لماذا تبارى ساسة الغرب في شن هجوم كاسح على مؤتمر طهران وعلى السلطات الإيرانية. انعقد هذا المؤتمر العالمي وانفض من دون أي تأكيد للمحرقة أو نفيها. فقد اكتفى المشاركون عند ختام مداولاتهم بالاتفاق على تشكيل لجنة دولية لدراسة المحرقة. رغم ذلك هبت على المؤتمر ـ وعلى إيران ـ عواصف من العواصم الغربية. من واشنطن قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تشجب المؤتمر، وأن تجمع عدد من «الذين ينفون المحرقة هو إهانة للعالم المتحضر بأسره».
وفي باريس خاطب وزير الخارجية الفرنسي البرلمان قائلاً: «اسمحوا بالتأكيد مجدداً على إدانتي بأقسى العبارات للمؤتمر». ومن برلين قالت رئيسة الحكومة إن ألمانيا لا تقبل أبداً مثل هذا المؤتمر وستواجهه بكل وسيلة ممكنة. ومن بروكسل أعرب مفوض الاتحاد الأوروبي عن صدمته وتنديده قائلاً إن «معاداة السامية ليس لها مكان في أوروبا ولن يكون لها مكان في أي جزء في العالم».
إن مثل هذه الانفعالات الهستيرية لا تفيد إلا في تأكيد الشكوك الأكاديمية المحيطة برواية المحرقة. فلو كانت مؤسسات السلطة في بلدان الغرب واثقة فعلاً من الصدقية التاريخية لعملية قتل بالجملة شملت في حدها الأدنى ستة ملايين يهودي على عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، فماذا يضير الحق والحقيقة إذا سمح لخبراء أكاديميين بمراجعة المادة التاريخية المنشورة للتأكد من مدى دقتها بأساليب البحث العلمي التجريبي المعروفة والمعتمدة عالمياً؟
مثل هذه الهستيريا مع التهرب من المسؤولية العلمية لا يمكن أن توحي إلا بأن الشكوك التاريخية حول المحرقة اليهودية بنيت على معطيات موضوعية. كما تؤكد من ناحية أخرى ارتهان الغرب بمؤسساته الأكاديمية إلى ابتزاز يهودي يجعل كل مسؤول رسمي وكل عالم مسكوناً بالرعب من تهديدات اغتيال الشخصية التي اشتهرت بممارستها المؤسسات اليهودية.
«معاداة السامية» في الغرب جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، وهي على هذا النحو تهمة فضفاضة تتسع لتشمل تقييد الحرية ضد أي انتقاد موجه نحو الأمة اليهودية حتى لو كانت تقييماً علمياً موضوعياً.