التقرير الذي رفعه كوفي عنان أول أمس إلى مجلس الأمن هو بكل تأكيد تقرير الوداع، حيث تنتهي ولايته بعد أسبوعين ليتفرغ إلى شؤون افريقيا كما قال. بلغة كرة القدم، هذا التقرير جاء في اللحظات الأخيرة للمباراة،ان لم نقل أنه جاء في الوقت بدل الضائع باعتبار أن الولاية الثانية للسيد عنان تلفظ أنفاسها الأخيرة.

ومع ذلك فهو يبقى بمثابة صرخة الضمير التي تحسب للسيد عنان الذي صدع بحقائق ظل المجتمع الدولي يتجاهلها وظلت الإدارة الأمريكية تعمل على تهميشها وعلى تغييبها وهو ما أدى إلى اهتراء مصداقية الطرفين: الأمم المتحدة والولايت المتحدة.

الحقيقة الأولى التي صدع بها السيد عنان وقالها قبل أن يمشي تخص القضية الفلسطينية أو ما يعرف بالصراع العربي لإسرائيلي لجهة كونه أصل الداء المستشري في المنطقة من الشرق الأوسط إلى الخليج العربي. السيد عنان دعّم برأيه هذا الاستنتاج الذي توصلت إليه لجنة " بيكر ـ هاملتون " والتي أوصت الإدارة الأميركية بالعمل على تسوية هذا الصراع على أساس أنه الورم السرطاني الذي يصيب كل المنطقة بالألم والصداع.

وبالفعل فإن الإدارة الأميركية وفي سياق انحيازها المطلق لحليفها الاستراتيجي اسرائيل ظلت ومنذ عقود تنظر إلى المنطقة برمتها بعيون اسرائيلية ـ تفعل ما تريده اسرائيل ولا تفعل ما لا ترغب فيه اسرائيل.

وبالمحصلة وصلت الغطرسة السياسية بإدارة الرئيس بوش حدّ اعتبار الجزار شارون رجل سلام، ووصم المقاومين الفلسطينيين الشرفاء وحتى طفلا يرشق دبابة اسرائيلية تحتل على أرضه وتروع شعبه بـ " الإرهاب " .أكثر من هذا، فإن اكتفاء إدارة بوش بالنظر إلى المنطقة بعيون اسرائيلية أولا قادها إلى غزو العراق من باب تخليص اسرائيل من خصم تاريخي ومن خطر استراتيجي كان يمثله عراق الرئيس صدام حسين.

ان لجهة الخطاب السياسي الذي يتبناه والداعي إلى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر أو لجهة دعمه للمقاومة الفلسطينية ورفضه الانخراط في مسيرة السلام. ولئن كان هذا الهدف الإسرائيلي قد تقاطع مع هدف استراتيجي أميركي آخر تمثل في نفط العراق وفي اطلاق عملية إعادة تشكيل المنطقة من العراق، فإن تحريض صقور اليمين المسيحي المتصهين داخل إدارة بوش قد سدّ عليه كل البدائل ودفعه دفعا إلى سكة الغزو والاحتلال لتقع أمريكا في هذه الورطة القاتلة.

أما الحقيقة الثانية والتي صدع بها عنان في تقريره وتمثل صرخة في ضمير الولايات المتحدة الأمريكية فقد جسّدها في انتقاده المباشر واللاذع للانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها أمريكا ضد حقوق الإنسان في سياق ما أسمته حربا على الإرهاب.

وقد وصلت الجرأة بالسيد عنان حدّ القول بأن الإدارة الأميركية داست على القيم المؤسسة للأمة الأميركية.وهي قيم راقية تحوم حول الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.وهو ما كان يقتضي من كل إدارة أميركية احترام هذه القيم والامتناع عن دوسها تحت أي سبب.لأنها تنسف بذلك الأسس التي تقوم عليها وتعرّي نفسها من أية مصداقية.

وتأكيدا، فإن كل من يلقي نظرة على الفظاعات التي ارتكبتها أميركا في العراق بدءا بالغزو والاحتلال وتدمير دولة بمؤسساتها وانتهاء بحرب الإبادة التي يعيشها الشعب العراقي كل لحظة، مرورا بفضائح سجن أبو غريب، لابد وأن تحصل لديه قناعة راسخة بأن إدارة الرئيس بوش قد دفنت القيم المؤسسة لأميركا في سوق المصالح ونحرتها على مذبح الرغبة الجامحة في الهيمنة على العالم. وهي رغبة لم يسلم من شظاياها حتى الشعب الأميركي الذي يعاني تضييقات كبيرة على حرياته الأساسية والذي صدع بمعارضته لسياسات الرئيس بوش.

وختاما، فإن التاريخ سيسجل للسيد كوفي عنان ما جاء في تقرير الوداع هذا من حقائق.تماما كما سيسجل عليه أنه سكت عنها قرابة الثماني سنوات.وآثر في محطات عديدة كرسي الأمانة العامة للأمم المتحدة على المبادئ الإنسانية والقيم الكونية وقد رآها أكثر من مرة تداس في مجزرة جنين وفي فضائح أبو غريب مثلا، كان بإمكانه في مثل تلك المحطات أن يخرج من الكرسي ليدخل إلى التاريخ من بابه الكبير.

رجاؤنا أن يستوعب خليفته الدرس ويستلهم من صرخة السيد عنان ما يساعده على التعاطي بحزم وإيجابية مع قضايا العالم عموما وقضايا العرب خصوصا. إذا أراد أن يعيد للأمم المتحدة بعضا من مصداقيتها الضائعة.