بحضور جميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست للمرة الأولى منذ ست سنوات, افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز القمة الخليجية السابعة والعشرين في الرياض بخطاب تحذيري, ينطوي أيضاً على لهجة تصعيدية حين أشار إلى مسيرة المجلس.
في الجانب التحذيري كان العاهل السعودي واقعياً إلى أبعد درجة حين صور المنطقة العربية الآن على أنها خزان مليء بالبارود ينتظر شرارة لينفجر وفي الشأن الخليجي أكد أن بعض السياسات والتوجهات لا يزال يلفها الغموض, داعياً إلى تنسيق وتوحيد مواقف دول الخليج, مشيراً إلى الكثير الذي يتوجب إنجازه حتى نستطيع القول إننا حققنا الوحدة الاقتصادية الكاملة.
كلام بهذا الحجم التحذيري والنقدي لا نستطيع أن ندعه يمر, أو نعتبره كلاماً بروتوكولياً قيل لضرورات افتتاح القمة... كلام خادم الحرمين دقيق, وتترتب عليه سياسات جديدة تتولاها المملكة بالدرجة الأولى أولاً لمنع انفجار خزان البارود, وثانياً لحسم هدف مسيرة التعاون الخليجي, وهل هي مسيرة وحدوية اندماجية, أم فيدرالية وكونفدرالية, أم اتحادية لا مركزية.
هذه الأهداف نشعر الآن أنها أصبحت منصبة على مناكب المملكة, والتي أصبحت, شاءت أم أبت, المحور الثاني, أو الخندق المقابل لخزان البارود, والذي عليه ليس فقط منع الانفجار, بل سحب أسباب الانفجار من أصلها, والممتد لما قبل نحو ألف ومئتي سنة, وإذا شئنا الممتد إلى ما هو أبعد من ذلك إلى أيام الجاهلية وبروز الصراع على الوجاهة والقيادة بين بني هاشم وبني أمية في قريش.
من دون أن ننسى المسؤولية عن هذه المهمة, وهي مهمة وحدة المسلمين على كلمة سواء, هناك أيضاً المسؤولية عن هوية مجلس التعاون وأهدافه, والمهمات المطلوبة منه, والإنجازات المنتظر أن يحققها, ومدى مطابقته, ككيان سياسي ومنظومة إقليمية, مع طموحات شعوب الدول الأعضاء, والتي يقال دائما إن إنجازات المجلس قاصرة عنها بكثير.
صراحة خطاب خادم الحرمين تعتبر مؤشراً جيداً نحو نية مستجدة تتطلع إلى مسيرة جديدة, وإلى إنجازات ملموسة تحيد عن الخطاب الإعلامي الذي يلامس العاطفة ولا يلامس المطالب الواقعية. وإذا ما كشفنا على قلوب شعوب المنطقة الآن فسنجد أن بها رغبة جامحة في أن يخرج القادة بقرارات تلامس طموحاتهم, وتبدد مخاوفهم الأمنية, وتمنع عن مخيلاتهم أشباح التقاتل والصراعات على خلفيات مماثلة لتلك الخلفيات التي تضحك الآن بلؤم خلف طوابير الجثث التي يجري التقاطها من شوارع مدن العراق, وكلها ذهبت إلى الموت بهذا الدافع المذهبي أو ذاك, ولأغراض لا يرضى عنها إلا شياطين السياسة, وأصحاب الفتن والدسائس.
الكلام جيد, التحذيري والنقدي, لكنه سرعان ما يتلاشى إذا لم تعقبه خطط عمل ممرحلة, تتحدد فيها الخطوات والمهمات والوظائف. وبناء على ذلك فإن المطلوب الآن, وفي نطاق الخطط الملحة, أن تتنظف علاقات القادة من المنغصات التي تشوبها, والتي تعترض عملهم الجماعي, وتمنعهم من إصدار القرارات الكبيرة لمكافحة المخاوف السائدة التي تجتاح نفوس شعوب المنطقة.
الخوف كبير من الأيام الآتية, ومن الخلفيات الدينية والثقافية التي تملؤها بالبارود وتحضر لها فتائل التفجير, وتبرير هذا الخوف لن يكون ممكناً إلا بإزالة خلافات دول الخليج, ومكافحة المنغصات بين قادتها, وتوسيع برامج التعاون بين الدول الأعضاء في هذه المنظومة الإقليمية التي لا تزال صامدة حتى يومنا هذا.
المسؤولية عن كل ما سبق تقع على عاتق خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز, فهو أبو الجميع, وبلده هي القاطرة الكبيرة لكل دول مجلس التعاون. ومن خلال هذه الحقيقة القائمة فإن الأمل موجود في أن يصنع لنا العاهل السعودي شيئاً في رحاب مطلوباتنا وآمالنا, بحيث يكون جمع الشمل الخليجي على يديه, والإنجاز من صناعته, كما كان إنجاز الكيان السعودي الشاسع والقوي من صناعة أبيه عبدالعزيز, وإخوته سعود وفيصل وخالد وفهد رحمهم الله, والذين عايشهم جميعاً وعايش معهم كيفيات صناعة الدول.
الخطاب غير التقليدي لخادم الحرمين يحتم عليه الآن القيام برحلات مكوكية دائمة لدول مجلس التعاون الخليجي ليجعل مضمونه في مجالات التطبيق, خصوصاً وأنه سيكون رئيس الدورة الحالية للمجلس ولمدة سنة كاملة.أنت تعرف يا خادم الحرمين أن العرب قوم يتفقون دائماً على الموائد, ويعتبرون البعد جفا, فإذا حضرت بينهم, وقاربتهم أصبحت منهم, وطارداً لهواجسهم, ومثيراً لكوامن الخير فيهم.
نتوقع أن تكون سنة الرئاسة السعودية للمجلس سنة ملامسة الجرح, وسنة التئامه في نفس الوقت, خصوصاً وأن المنطقة هي التي هي خزان بارود غير فاقدة لمرجعيتها, ولهويتها, ولخندقها, ولوجهتها الشرعية.