الى أين يسير البلد? ما هو المصير? هل من مستقبل للأجيال الطالعة فيه? هل صحيح ان كل عائلة فيه تُفكِّر في ارسال ابنائها الى الخارج? هل صحيح ان لبنان الذي نعرفه انتهى الى غير رجعة? هل صحيح ان هناك لبنان سيبقى ولكن غير الذي نعرفه? هذه الأسئلة كانت في ما مضى (حكراً) على المتشائمين، وكان المتفائلون (يقاتلون) لدحضها، لكن للأسف يبدو أن الفريق الأوَّل انتصر على الفريق الثاني.

ما هي عوامل التشاؤم? البلد يقوم على مؤسسات يحكمها الدستور وعلى شعب يحكمه القانون، في حالتنا الدستور (يُغيِّبه) البعض من المسؤولين، والقوانين لا يلتزم بها الكثير من الناس، فكيف تستمر الدولة? ومَن يحاسب مَن?

لن نتحدَّث عن مرحلة ما قبل 26 نيسان 2005، تاريخ انسحاب الجيش السوري من لبنان، فتلك المرحلة كانت الدولة فيها تُدار بمعظمها من وراء الحدود، انتهت تلك المرحلة ليبدأ اللبنانيون يديرون شؤونهم بأنفسهم.

ويُقال هنا إن المسؤولين اخطأوا في (عدم نقل السلطة بالكامل الى أيديهم)، وفي هذا القول جزءٌ من الحقيقة، ويُقال أيضاً ان (السلطة الجديدة) جرى إلهاؤها بسيلٍ من (الضربات الإرهابية) اغتيالاً وتفجيرات لكي لا تستطيع الوقوف على رجليها، وهذا صحيح أيضاً.

ويُقال أيضاً ان السلطة لم تكن (جديدة) بالكامل، وان بعض رجالاتها (تكيّف) مع المرحلة الجديدة، وبعضهم يقول انه كان مكرهاً على السير في (منطق المرحلة السابقة) وحين تغيَّرت تغيَّر، وان بعض رجالاتها بقي على (خطِّه) السياسي الذي ينتمي الى المرحلة السابقة.

اذاً البلد واقع بين نهجين، النهج الأول له رجالاته ومسؤولوه، والنهج الثاني له رجالاته ومسؤولوه، وهي حالة فريدة في الأنظمة السياسية في العالم، فنجد موالاة ومعارضة داخل السلطة، كما نجد موالاة ومعارضة خارج السلطة، ونجد رجالات من المرحلة السابقة داخل السلطة، ونجد موالاة ومعارضة خارج السلطة، نجد قوانين من المرحلة السابقة تُطبَّق في المرحلة الجديدة.

يدافع البعض عن هذا الوضع بالقول ان تغيير الأنظمة لا يتم بين ليلة وضحاها وان خلق جيل سياسي جديد يستلزم وقتاً يُقاس بالسنين لا بالشهور.هذا التجاذب، إذا بقي على هذا المنوال فإن من شأنه أن يُمزِّق البلد، وهو ما حاصل اليوم، فهل كُتب على البلد ان يُحكَم بالإعدام?

المشهد السياسي اليوم لا يعكس غير هذه الصورة، لكن بصيص الأمل الوحيد ان المرحلة الجديدة تحظى بمظلة عربية ودولية تَعِد بأن عقارب الساعة لن تعود الى الوراء. وإذا كان المقياس في ذلك هو التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الحريري والجرائم التي سبقتها أو أعقبتها، فإن هذا التحقيق قد بلغ مرحلة متقدِّمة جداً خصوصاً ان مَن يقرأ التقرير الجديد للمحقق الدولي سيرج براميرتس يكتشف بين السطور (حقائق) عديدة. لهذا ستنشأ المحكمة الدولية ولو بعد حين وسيحاكم كل الضالعين.