بالتأكيد هي مفزعة ومخيفة تلك المشاهد التي عرضتها احدى المحطات الفضائية العربية لمجموعة من طلاب جامعة الأزهر ممن ينتمون, على الأرجح, لجماعة محظورة, ويؤدون مهارات قتالية ويرتدون زيا أقرب إلى زي الميليشيات العسكرية منهم إلى الطلبة.
وهي مفزعة لأنها تعني في أحد معانيها أن هناك من يريد أن يختطف لنفسه دورا هو من أخص خصوصيات الدولة وهو حق استخدام القوة. ولا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا سيفعل هذا الطرف أو ذاك إذا امتلك القوة في صورة ميليشيا أو وحدات قتالية وذلك في حالة اختلافه مع الأطراف السياسية الأخرى أو مع الدولة.
كما أن حقيقة أن هذه الاستعراضات للمهارات القتالية التي جرت داخل حرم الجامعة تعني أن الجامعة, التي من المفترض أن لها دورا محددا يتمثل في التعليم والتثقيف وتزويد المجتمع بما يحتاجه من كوادر مدنية في شتى المجالات, يراد لها أن تصبح معسكرا أو مركزا للتدريب القتالي والعسكري بعيدا عن سلطة الدولة بل والمجتمع.
هي أيضا مشاهد مخيفة لأنها مؤشر على ماذا سيحدث لو كانت تلك التدريبات مجرد بروفة صغيرة تخفي تجارب أخرى كبيرة لوحدات وميليشيات بأعداد أكبر وأكثر تدريبا واستعدادا للمواجهة, فكيف سيكون حال البلاد لو تحول هذا الكابوس إلى حقيقة وواقع؟ ولعل بعضهم عندما تحدث قبل شهور عن استعداده لارسال10 آلاف شخص للقتال في لبنان كان في ذهنه هذه الأفكار المخيفة.
إن ما سبق يعيدنا إلى الحديث عن بديهيات ارتضى العالم المتقدم والمتحضر أن يجعلها قواعد تحكم النشاط السياسي لأي حزب أو منظمة أو تيار. أولى هذه البديهيات تتمثل في أن الدولة هي صاحبة الحق الوحيد والحصري في استخدام القوة من خلال الجيش والشرطة.
ولا يمكن لأي طرف آخر أن ينازعها هذا الحق. وثانية هذه البديهيات أن النشاط السياسي هو مدني بطبيعته وسلمي بالضرورة ولا يمكن لأي طرف أن يقتنص لنفسه ميزة علي حساب الأطراف الأخري من خلال انشاء ميليشيات تعمل بشكل أو بآخر كأجنحة عسكرية لهذه الأحزاب.
وقد اكتوت دول كثيرة محيطة بنا من جراء القفز على هذه البديهيات فرأينا هذه الدول تقترب من الفوضى واندلاع الحرب الأهلية التي أعادتها عشرات السنين إلى الوراء. بل إن مصر نفسها عانت وبشدة من تجاهل هذه البديهيات عندما ظهرت قوي شبه عسكرية وميليشيات قبل ثورة يوليو لدعم هذا الحزب أو ذاك.
إن من الضروري التعامل بحسم مع هذه المسألة وإعادة الأمور إلى نصابها لأن عكس ذلك سيكون بمثابة بداية لمشهد مخيف من العنف الذي لا يعلم إلا الله عواقبه. ومن المهم أن تتوافق كل القوي السياسية الحية في المجتمع على ميثاق شرف يؤكد تجريم استخدام القوة بأي شكل أو وسيلة في النشاط السياسي ويعيد التذكير بأن النشاط السياسي هو بالضرورة نشاط سلمي ويتم بوسائل ديمقراطية مدنية.
وعلى الجميع أن يدرك أن ديمقراطيتنا الوليدة التي نحاول أن نجعلها تقف على قدميها وتقوى لن تقوم لها قائمة إذا دخل العنف إلى ساحة السياسة من خلال الميليشيات والقوى شبه العسكرية.
مرة أخرى, المسألة خطيرة ولا يجب بأية حال من الأحوال أن نناقشها بعقل ساخن فتطير الاتهامات هنا وهناك دون أن نستخلص الدروس والعبر الواجبة وأن نبدأ على الفور في تطبيقها على الجميع.
إن استقرار مصر وأمنها وسلامتها هي أثمن ما تملكه البلاد, وسيكون المفزع والخطير أن نفرط في هذه الثوابت التي لا غنى عنها لأي مجتمع يرغب في تحقيق التقدم والازدهار وتحسين مستوي معيشة أبنائه.