صراع كبير ومنافسة شرسة بين مختلف القنوات الفضائية للوصول إلى الجمهور في مختلف ربوع العالم باللغة التي يتقنها هذا الأخير وفي الوقت الذي يناسبه وبالمواضيع والقضايا التي تهمه. صراع إعلامي دولي لكسب الرأي العام وإيصال النظرة التي قد تنفرد بها كل قناة لما يجري في العالم. فكل قناة تحاول وضع لمستها ورؤيتها ومعالجتها الخاصة بها للأحداث. ففي الفترة الأخيرة ظهر توجه جديد نحو البث التلفزيوني الفضائي وفق معايير ومنطق الجمهور المستهدف، بمعنى آخر هناك توجه نحو الاقتراب أكثر إلى لغة الجمهور ومشكلاته وهمومه وتطلعاته وما يتناسب مع اهتماماته.

فخلال العقدين الماضيين تربعت سي ان ان على عرش القنوات الإخبارية الدولية باستحواذها على جمهور دولي يقدر بـ 900 مليون وهذا من خلال استعمالها لـــ 40 مكتباً موجودة في ربوع العالم، تليها ال بي بي سي ب600 مليون و58 مكتباً والجزيرة ب80 مليوناً و60 مكتباً عبر العالم.

قبل أسابيع انطلقت الجزيرة انترناشيونال من قطر لتبث باللغة الإنجليزية ولتصل إلى 80 مليون بيت في العالم، وقبل أسابيع دار الكلام حول إطلاق قنوات تلفزيونية مغاربية لتصل لمشاهدي شمال إفريقيا. قناة آل«إم بي سي» و«دبي» و«إل بي سي» و«الجزيرة» أطلقت خلال الأشهر القليلة الماضية قنوات تتوجه خصيصاً للمغرب العربي أسوة بما تفعله كثير منها مع جماهيرها في أميركا وأستراليا وأوروبا. في الأسبوع الماضي أطلقت القناة الإخبارية الفرنسية بثها لتصل إلى 250 مليون بيت في أرجاء العالم بثلاث لغات هي الفرنسية والإنجليزية والعربية.

فالشركة الفرنسية الجديدة «فرانس 24» تهدف إلى إيجاد موقع لفرنسا على خريطة الإعلام الدولي وذلك بإطلاق شبكة تلفزيونية عالمية تنافس الشبكات الأميركية والبريطانية والعربية. الشبكة الإخبارية الفرنسية تبث من باريس بطابع دولي باللغتين الفرنسية والإنجليزية 24 ساعة في اليوم. أما القناة العربية فإنها أطلقت موقعها على الانترنت في السادس من ديسمبر الماضي على أن تظهر على الشاشة في يوليو من سنة 2007. بلغت ميزانية الشبكة 80 مليون يورو توفرها خزينة الحكومة الفرنسية. فلسفة «فرانس 24» تقوم على نظرتها للحدث والخبر وكيفية معالجته وتحليله وتفسيره وإيصاله إلى المشاهد.

حيث أن الخبر الخام هو نفسه للجميع ومتوفر للجميع لكن طريقة معالجته وتحليله هي التي تختلف بين مئات القنوات الفضائية العالمية وهي التي تمّيز قناة عن أخرى. وحسب مسؤولي الشركة الفرنسية الجديدة فإن الشبكة ليست حكومية وليست قنوات الدولة الرسمية حيث انها تتمتع بالاستقلالية التامة، فهي ليست صوت فرنسا بل تقدم المنتج الإعلامي بنظرة فرنسية وبنكهة فرنسية حيث أن القراءة والتحليل والتعليق والمعالجة ستكون كلها مختلفة عما تقدمه القنوات العالمية المنافسة الأخرى. من جهة أخرى تخطط الشبكة الجديدة بقنواتها الثلاث لتوفير فضاء واسع للجوانب الثقافية والفنية والرياضية والموسيقية والموضة الفرنسية لتسويق وتقديم اللمسة الفرنسية المتميزة للعالم، هذه اللمسة التي جلبت لباريس السمعة العالمية في العطور والملبس والموضة والطبخ.

«فرانس 24» هي تجربة أخرى لكسب الرأي العام من خلال الإعلام الفضائي ومن خلال تسويق المنتج الإعلامي وفق اللمسة المحلية والنظرة لمجريات الأمور وفق أعين المؤسسة الإعلامية التي تقدم الحدث وتعالجه وتحلله حسب معطيات إيديولوجية وثقافية وحضارية قد تختلف من بلد إلى آخر ومن قناة إلى أخرى وهذا ما انتبه إليه المسؤولون الفرنسيون.

من جانب آخر نلاحظ خطوة إيجابية قامت بها أربع محطات فضائية عربية تبث من الشرق الأوسط وهي التوجه نحو دول المغرب العربي في شمال إفريقيا. وهذا يعني أنها تحاول أن تقترب أكثر فأكثر من الرأي العام في هذه المنطقة التي يسكنها أكثر من 80 مليون نسمة.

فمبادرة «أم بي سي» و«دبي» و«ال بي سي» و«الجزيرة» تستحق الثناء والتقدير حيث انها تستجيب لطموحات واحتياجات الشعوب العربية في هذه المنطقة من العالم العربي التي كانت لسنوات عديدة منسية ومهمشة حيث ان جمهور هذه الجهة من الوطن العربي يرى أن الفضائيات العربية الشهيرة تتجاهله ولا تعالج قضاياه ومشكلاته وهمومه وطموحاته التي قد تختلف عما هو موجود في المنطقة الشرقية من الوطن العربي.

فالمبادرة الجديدة جاءت لتستجيب لطموحات شعوب المغرب العربي وفي التوقيت الذي يناسبه. وهنا نلاحظ أن فرنسا ـ البلد المستعمر (بكسر الميم) السابق ـ استثمرت الكثير في هذا المجال من خلال «تي في 5» والقناة الثانية وكذلك الصحف والمجلات الفرنسية التي تهتم بالمنطقة أكثر بكثير مما تهتم به صحف ووسائل الإعلام في المشرق العربي. وفرنسا الحريصة على مستعمراتها القديمة أطلقت مؤخراً قناة «ميدي سات» من مدينة طنجة بالمغرب وهي المدينة نفسها التي احتضنت في بداية الثمانينات من القرن الماضي القناة الإذاعية الشهيرة «مدى 1» والتي لقيت نجاحاً باهراً واكتسبت مستمعين يعدون بالملايين في كل من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا.

مبادرة الفضائيات العربية الأخيرة واهتمامها بدول المغرب العربي بإطلاق قنوات خاصة بهذه المنطقة من شأنها أن تفتح منابر جديدة للحوار والنقاش والرأي العام خدمة لحرية الكلمة والديمقراطية والرأي والرأي الآخر.

فالتقرب من الشارع والاهتمام بخصوصيته ومشكلاته وهمومه اليومية وطموحاته يعني المصداقية والعلاقة العضوية بين الوسيلة والجمهور من جهة وبين المرسل والجمهور من جهة أخرى. فالإعلام الهادف هو الذي ينبع من هموم الشارع ويتفاعل معه وليس إعلام البلاط والصالونات وفنادق الخمس نجوم. من جهة أخرى نلاحظ أن الدول التي تريد أن يصل إعلامها إلى الآخر ويكون لها موقع على خريطة الإعلام الدولي يجب أن تكون في مستوى المنافسة الدولية من حيث اللغة والمعالجة والتحليل والحرفية والمهنية. فالجمهور أينما كان يبحث عن الأداء الجيد والمتميز ويبحث عن التحليل والحرفية والمهنية ويبحث عن الوسيلة التي تخاطبه باللغة التي تناسبه وفي الوقت الذي يناسبه. مبادرة «الجزيرة» و«أم بي سي» وال«أل بي سي» و«دبي» تستحق الثناء والتشجيع وحبذا لو تنتشر هذه المبادرة إلى فضائيات أخرى في المشرق والمغرب على حد سواء حتى تزدهر قنوات التفاهم والحوار بين عرب المشرق وعرب المغرب.

من جهة أخرى وإذا أراد العرب إيصال وجهة نظرهم ورأيهم وصورتهم للآخر، وإذا أرادوا كسب الرأي العام الدولي فهم مطالبون بخوض غمار المنافسة على كسب الرأي العام الدولي وذلك بالاستثمار في الإعلام الدولي من خلال قنوات دولية على شاكلة «الجزيرة انترناشيونال» للوصول إلى الآخر بلغته وبمنطق الألفية الثالثة ومنطق الحرفية والمهنية. وهنا لا يجب التركيز على الوسيلة فقط وإهمال الرسالة، بل يجب الاهتمام بالتميز والحرفية والمهنية للوصول إلى الآخر. معركة كسب الرأي العام الدولي معركة شرسة وبحاجة إلى إمكانيات مادية معتبرة وقدرات بشرية محترفة ومتمرسة.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة