يبدو أنه بقدر ما تتزايد وتلح المحاولات والتحذيرات والدعوات والمناشدات، المحلية والعربية، لوقف التصعيد المريع في الوضع اللبناني؛ بقدر ما يمعن أطراف الأزمة في التعنت والتعبئة ولغة التحدي ونسف الجسور، وكأنهم صاروا أسرى لمنطق اللاعودة المؤدي أو المحكوم بأن يؤدي إلى الوقوع في فخ اللعبة الشمشونية المدمرة.

فعملية العض على الأصابع، الدائرة منذ أيام تبدو كأنها تجاوزت اختبار من يصرخ أولاً؛ ودخلت الطريق التي تأخذها إلى آخر الشوط: إلى قطع الأصابع، إما التركيع وإما الشطب والإلغاء. وذلك ليس أقل من وصفة انتحارية. فالبلد بتركيبته السريعة العطب؛ ناهيك بنظامه الطائفي العليل القائم على التوافق ـ الهش بكل حال ـ لا يتقبل غير صيغة التسوية السياسية، في الحكم. على الأقل للخروج من المأزق الراهن والعودة ـ ربما ـ إلى اتفاق الطائف؛ باعتباره جسر العبور الوحيد المتاح للانتقال التدريجي إلى ضفة الخلاص من آفة الطائفية السياسية.

والتسوية من بديهياتها أنها تفترض الاستعداد الفعلي المشترك، لدى الجانبين 14 آذار و8 آذار، لفرملة الاندفاع نحو الطريق المسدود؛ والتقدم بالتالي خطوة على الأقل باتجاه الآخر، أو في أقل الأقل، إذا كان هناك عجز عن التحرك الذاتي. أن يتعاملا بشيء من التهيب والجدية مع المبادرات والأفكار والمشاريع المتكاثرة التي طرحت.

لكن ليستقيم مثل هذا التعامل، لابد من أخذ استراحة ولو وجيزة والخروج من خنادق التراشق المتقابلة؛ كي يتسنى إعادة نسج خطوط التواصل والتفاهم. والحاصل هو نقيض ذلك، كل فريق يزعم أنه يتحرك ويمارس، تحت سقف الدستور والنظام العام؛ ويتقيد بأصول الديمقراطية التوافقية اللبنانية وبروح الميثاق الوطني! هذا على الورق وخلف الميكروفون، لكن على الأرض وبصرف النظر عن النوايا؛ المشهد مختلف بل مخيف، يهدد بالأدهى والأعظم، وربما كان الآتي أعتى، في آثاره وأبعاده. من أية أزمة سابقة عرفها لبنان، المدمن على الأزمات، ذلك أنه ولا واحدة من هذه الأخيرة اجتمعت فيها أو خلالها، عوامل خلخلة كيانية واجتماعية كالتي تضافرت في المأزق الراهن . فلم يسبق مرة أن أصيبت المؤسسات الدستورية الأساسية الثلاث بحالة من الشلل والتغييب؛ كلها دفعة واحدة كما هو حالها اليوم.

رئاسة جمهورية معزولة، حكومة مشطورة ومشلولة ومجلس نيابي معطل وغائب. الحل والربط بات بيد القيادات السياسية المتصارعة التي تقوم بتوسل واستحضار الوفود ومرجعيات الطوائف والمذاهب للوقوف إلى جانبها، عند مخاطبة شارعها، فهي تستقوي بها وتوظف حضورها لاستنفار هذا الشارع والتلويح به إلى الشارع المقابل، كذلك لم يسبق أن بلغ التوتر المذهبي الشيعي ـ السني في لبنان النقطة الخطيرة التي وصلها اليوم.

كانت الطائفية ضاربة أطنابها، لكن المذهبية وبهذه الحدة بضاعة جديدة على المسرح السياسي اللبناني وهي لا تقتصر فقط على خطابها المأزوم؛ ولا على حروبها الإعلامية الضاربة بل هي انتقلت إلى مستوى الاستعراض المتبادل للقوى ـ تظاهرات بيروت وطرابلس ـ؛ مع المجاهدة بأخذ المبادرة في رسم الخطوط الحمراء والتهديد بعدم السماح بتجاوزها. خندق مقابل خندق.

ذخيرة التقاذف تتراوح بين قنابل التخوين وبين اتهامات التبعية للمحاور، الدولية والإقليمية؛ ناهيك عن لغة التحدي وإثارة الغرائز مع التهديد المفتوح على تصعيد، ينذر بالويل والثبور، بما في ذلك العصيان وربما إعلان حكومة ثانية، كما جرى التلميح إليه في تظاهرة يوم الأحد، وإذا كان مثل هذا الاحتمال لا يزال مجرد تهويل وجزءاً من حرب الأعصاب، إلا أنه ليس بعيداً جداً عن إمكان تحوله إلى واقع.

خطوط الرجعة صارت شبه مقفلة، بفعل التمادي في التباعد بين الفريقين، حيث بات كل منهما متسمراً في مواقعه المتنافرة، بل المتناحرة، مع مواقع خصمه. الجفاء المتبادل وصل إلى عمق سحيق، وكأنه أريد له أن يحول دون أي توافق. أو كأن كليهما يخوض حرب إطاحة نهائية بالآخر، بالرغم من كل الكلام عن الاستعداد «للحوار» (!) والعودة إلى البحث عن التوافق(!).

فكيف للحوار أن تنعقد طاولته، ناهيك بتحقيق أغراضه، وسط مثل هذا الردح التخويني والتبعي، الذي يطغى على الساحة، بل الذي صار لغة شارعها؟ خطاب التهويش والتأليب، يكاد يحتكر التداولات السياسية والإعلامية، يواكب ذلك ضمور متزايد ليس فقط لحضور الدولة، بل أيضاً لوجودها.

والأنكى أن الكل يتمسح بالحرص عليها وعلى مقوماتها. في حين لم يطرح أحد مشروعاً لتجديدها وإحيائها، ناهيك بمشروع بديل لإقامة دولة الوطن. حتى الطائف الانتقالي تبخرت سيرته ليس في الساحة سوى سيرة الحصة الضامنة والحصة المضمونة، التشبث بهذه وتلك أدّى إلى القطيعة. أو ما يشابهها، ومعها كبرت الهواجس وبالتالي صارت الهوة أكبر من القدرة على تجسيرها.

يزيد من التعقيد أن كل فريق حشر نفسه بزاوية، صار التراجع عنها خسارة لا يحتملها، والشارع المسكين، في هذا الجانب وذاك، مقطور بشعارات، إما سقيمة وإما عقيمة. وفي الحالتين تهويشية. الظاهر شيء والباطن شيء آخر. المصارحة مفقودة. لذلك فشل الحوار. ثم التشاور. والآن المبادرة العربية مهددة، والكل يحرص على التطمين بأن الفتنة ممنوعة. لكن الفيروس الذي حقنوا به الشارعين، لا تتحكم به النوايا الطيبة فقط. ثم حتى لو أمكن ضبطه ومحاصرته من الداخل فمن يكفل عدم اختراقه من الخارج والبلد هو على ماهو عليه من انكشاف.

ثم، أيضا، وعلى فرض أن الفتنة معدوم احتمال وقوعها، فإلى أين، إذا بقي كل طرف متمترساً في خندقه لا يتزحزح؟ فهل، حينذاك، من نهاية غير انفراط الصيغة وبالتالي وقوع البلد في شدق إحدى القوى الإقليمية أو الدولية، المتصارعة في المنطقة؟ هذا إذا لم ينخلع البلد من الشدّ بين الشدقين، الإقليمي والدولي.

بإقفال أبواب التواصل بينهم وعدم ترك فسحة للعودة إلى سكة التفاهم، يكون اللبنانيون قد اختاروا، عن قصد أو عن غير قصد، لافرق، المقامرة ببلدهم لبنان، وبالتعريف والتجربة، كل مقامر خاسر، في النهاية.

كاتب لبناني