فرضت التحديات الإقليمية والدولية الراهنة قضايا كبيرة ومعقدة على أجندة القمة السابعة والعشرين لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، من قبيل القدرات النووية الإيرانية والأوضاع في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها، لكن اللافت للانتباه هو تركيز القمة على سلسلة من المواضيع قد تكون صغيرة بالنسبة للعالم الخارجي لكنها كبيرة في مسيرة التقارب الخليجي، ومن بينها إقرار الإبقاء على الجدول الزمني لاعتماد العملة الخليجية الموحدة (2010) ولتحقيق الاتحاد الجمركي الخليجي (2007) ومسألة البت في مستقبل «درع الجزيرة» الذي يمثل المنظومة الدفاعية الخليجية المشتركة.

ومن بين القضايا البينية لدول «التعاون» هناك مسألة يجب أن تحظى باهتمام أكبر، لحيويتها ولاتفاق الجميع عليها، ألا وهي الاتجاه إلى تنشيط المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والذي يقتضي بدوره تطوير الشروط والإجراءات التي من شأنها بناء مؤسسات حديثة وإيجاد نشاطات اقتصادية على مستويات واسعة النطاق، وتحديد طرق تمويلها، وتحسين أداء القائمين عليها، ووضع الأطر القانونية التي تحكمها.

والاتجاه إلى الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة مهم بالنسبة لدول الخليج في الوقت الراهن، نظرا لسببين الأول وجود حديث يتردد حول إمكانية أن تترك التداعيات التي تخلفها التوترات التي تشهدها المنطقة، بفعل تواصل العنف في العراق واستمرار التهديدات الإيرانية، أثراً سلبيا على حركة الاستثمارات في منطقة الخليج العربي، في وقت تسعى دول المجلس جاهدة إلى جذب استثمارات أجنبية إلى العديد من القطاعات الاقتصادية، لاسيما بعد أن شرعت هذه الدول في تبني برامج للخصخصة، تعطي القطاع الخاص فرصة كبيرة في أن يلعب دورا ملموسا في عملية التنمية الاقتصادية. فالاتجاه إلى الاعتماد على تنشيط المشروعات الصغيرة والمتوسطة يدفع قطاعات عريضة من المواطنين الخليجيين إلى الدخول في غمار العملية الاقتصادية، بما يزيد من حجم الاستثمارات المحلية في السوق الأمر الذي من شأنه أن يعوض جزءا مما كان معولا على الاستثمارات الأجنبية في الخطط التنموية الراهنة بدول المجلس.

أما السبب الثاني فيرتبط بتذبذب أسعار النفط الخام في السوق الدولية. وهذا الوضع يحفز دول مجلس التعاون على أن تمضي قدما في البحث عن موارد اقتصادية بديلة للنفط، وهو الاتجاه الذي شغل حيزا كبيرا من اهتمام المسؤولين بدول المجلس إبان الأزمة النفطية التي حدثت عام 1998 وبداية عام 1999. فخلال الأزمة المذكورة شرعت دول المجلس في التعامل مع الأوضاع الاقتصادية على أساس أن عصر النفط قد ولي، حسب تعبير العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال قمة مجلس التعاون التي استضافتها أبوظبي في ديسمبر من عام 1999. وظهر القطاع الصناعي بديلا مهما في الخيارات الاقتصادية لهذه الدول، سواء كانت صناعات تعتمد على كثافة رأس المال والعمالة، أم صناعات على مستوى محدود، لا تتعدى منشآت صناعية فردية. ومن هنا ظهر الحديث المسهب عن مشروعات الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

وقد حظي هذا الاتجاه باهتمام شديد في السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس بجلاء في تصريحات المسؤولين والخبراء الاقتصاديين الخليجيين، في إطار اتجاه دول عديدة في العالم المعاصر إلى إعطاء أولوية لهذا النوع من المشروعات. وكان هذا الموضوع مطروحا للمناقشة دائما في اجتماعات وزراء الصناعة بدول المجلس، والاجتماعات الأخرى التي تتم على مستوى وكلاء الوزارات، وفي المؤتمرات والمنتديات التي تطرقت إلى قضية الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد الوطني، وأهمها المنتدى الخليجي الذي استضافته سلطنة عمان عام 2002 والذي أعطى دفعة قوية للاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال مساعدته على التعرف على متطلبات التسويق والتمويل وتنمية الموارد البشرية والتوظيف والتجارة الالكترونية والإدارة والمسائل القانونية التي تهم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون، وتقديمه الأساس لتوسيع شبكات الأعمال التجارية مع النظراء في هذا المجال وكبار المسؤولين والمختصين في قطاع تقنيات المعلومات ومسؤولي العلاقات العامة والتسويق.

ومعنى هذا أن هناك اتجاها قويا لبناء إطار اقتصادي وقانوني لبرنامج تنشيط المشروعات الصغيرة والمتوسطة بدول مجلس التعاون، حال تنفيذه في أرض الواقع سينشط الاقتصادات الوطنية، ويساعدها على التغلب على مشكلات مثل البطالة والاعتماد الأساسي على النفط الخام كمصدر للدخل القومي، بل إنه قد يساعد في جذب استثمارات أجنبية، من منطلق أن رأس المال الأجنبي يريد الدخول إلى المشروعات التي تدر عائدا سريعا، وليس إلى الصناعات الكبيرة التي يتأخر عائدها نسبيا، من جهة، ومن زاوية أن تلك المشروعات توسع قاعدة المستثمرين الأجانب من قبيل أنها لا تتطلب أموالا ضخمة، من جهة ثانية.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة