غداً السبت، موعد بغداد مع مؤتمر للمصالحة الوطنية العراقية، فمن المقرر أن يستضيف رئيس الحكومة نوري المالكي؛ ممثلين وجماعات من مختلف أطياف وألوان الساحة العراقية؛ السياسية منها والطائفية والإثنية.
المبادرة، محاولة للتقريب بين هذه الأطراف؛ بخصوص القضايا الخلافية الكبيرة، المعروفة. هي مبادرة ترمي إلى كسر الجليد، كمدخل لبدء المعالجة ولملمة أشلاء الوضع النازف، على غير انقطاع.
من المفترض والمأمول أن يكون هذا الاستحقاق من النوع الواعد. على الأقل هذا ما يوحي به اسمه. وأيضاً ما ينبغي أن توحي به النوايا، التي توافقت على اللقاء. ولو أن السوابق تفرض التحفظ. فقد جرت محاولات من هذا النوع، لكنها انتهت جميعها إما إلى الفشل وإما إلى التأجيل.
ما قد يشفع لهذا المؤتمر هو أن الظروف اختلفت وصارت ضاغطة كما لم يحصل من قبل. فالنزيف بلغ حداً بات معه الوضع على تخوم الميؤوس منه. وعامل الزمن صار بحدود ربع الساعة الأخير. التحذيرات، بل الإنذارات، العراقية في هذا الخصوص تتراوح بين الاستغاثة وبين التلويح بما يؤدي إلى الانهيار الكامل. أحد كبار المسؤولين السابقين يتحدث بلغة اقتراب الوضع من نقطة «اللاعودة» لا بل يكاد يقول انه يسير بسرعة نحو هذه النقطة. آخر يتحدث بلغة التهديد من اشتعال النار التي «تأكل الأخضر واليابس» ؛ فلا تترك بعدها غير الرماد.
وما يزيد من خطورة الموقف أن هناك تغييرات قادمة في سياسة الإدارة الأميركية تجاه العراق. لم تتضح معالمها بعد، لكن اللغط حولها والإشارات الضبابية من جانب إدارة بوش؛ تثير مخاوف مشروعة من احتمال اتخاذها لخطوات تصب، في النهاية، في زيادة تأزيم الأمور؛ ودفع البلد بالتالي إلى المزيد من التفكيك. والتحذيرات التي تداولتها وسائل الإعلام مؤخراً والتي صدرت عن بعض عواصم المنطقة، في هذا الخصوص؛ رفعت من درجة المخاوف.
ويزيد الطين بلّة ما يتردد الآن عن استقطابات سياسية وتكتلات؛ تفيد باحتدام الصراع على السلطة؛ وبالتالي بإضافة المزيد من التعقيد للمشهد السياسي، المعقد والسريع الالتهاب أصلاً.
على هذه الخلفية، تلتقي القوى العراقية، غداً حول الطاولة ـ هذا إذا انعقد اللقاء بمشاركة الجميع ـ ويأتي مؤتمرها في لحظة فاصلة بين أن تطبخ هي تسوية لأزمتها الوطنية؛ وبين أن يطبخها لها الاحتلال أو على الأقل المشاركة في هذه الطبخة؛ لتقليل الخسائر من جهة، ولتحسين فرص النهوض من جهة ثانية.
ومن البديهي أن تشكل المصالحة المنشودة، المدخل لمثل هذا الدور. من دونها تبقى الساحة مفتوحة لديناصورات الخارج؛ التي أنهكت الجسد العراقي والتي لم تخف شهيتها عن المزيد من إنهاكه.
الساحة العراقية فقدت بوصلتها الوطنية. وقد طال زمن ضياعها. وإذا كان لها بعض العذر، في ضوء الخلفية المعروفة للبلد قبل احتلاله وبعده؛ فإنه لا عذر لها بعد التجربة الطويلة القاسية والمكلفة والتي لا تزال تعاني وتكابد من شرورها وأخطارها، لقد آن الأوان لوقفة ربما كان هذا المؤتمر يوفرها، للقيام بالجردة اللازمة والانطلاق منها إلى التأسيس لقيامة جديدة للعراق.