قدمت الصين للعالم في غفلة الشعوب، الكثير من الإنجازات الحضارية، لكنها دخلت مرحلة السبات العميق مئات السنين، وكانت نهباً للغزاة والطامعين، حتى جاءت ثورة ماوتسي تونج فتغير الوجه المهزوم إلى التطلع لقيادة العالم من خلال ثورة الفلاحين، إلا أن الشيوعية فُصّلت لعالم ليس على الأرض، وهنا انتفضت القيادة وحولت أكبر تجمع بشري إلى طاقة إنتاج رأسمالي، فصار العالم باقتصاده، وكفاءاته.
وشركاته يذهب للصين التي أصبحت معجزة العقود الماضية، وقد تخطت المألوف في اكتساح السوق العالمي، حتى داخل الركائز الأساسية للإنتاج المتطور في أوروبا وأمريكا ودول جنوب شرق آسيا، وهذه المعجزة الاقتصادية هي من طرح الأسئلة والتحديات عمن يوقف القادم الجديد، أو ينافسه، أو يختار مشاركته حصص التنمية السريعة ومكاسبها.
فإذا كانت الحضارات القديمة نشأت بالشرق وأفريقيا، والوطن العربي، وجاءت حضارة الإغريق والرومان لتؤسسا للامبراطوريات وتحكيم العقل، ثم خروج أوروبا بنهضة حديثة قادت العالم للرقي والتطور، فإن الصين ستقدم وجهاً آخر، أي لن تبني مدنها وقطارات أنفاقها وتدوير اقتصادها من مستعمرات جديدة، وإنما ستبذر كفاءة شعبها في الخارج ببعوث للعالم المتخلف لإنشاء بيئات ناهضة، ولعل التحول من الأيدلوجية الشمولية إلى ثقافة العمل المنظم، سيكون الهدية للعالم بآفاقه المختلفة.
بمعنى أن الصين ستنقل تجاربها وقواها الفاعلة، إلى مناطق الظلام لتكون طاقة عمل تكسر الاحتكارات القديمة وأساليبها الاستعمارية، وهنا ستصبح رحلة الذهاب للعالم الخارجي، جزءاً من استراتيجية طويلة المدى، أي أن قارات مثل أفريقيا وأميركا الجنوبية وبلدان آسيا المتخلفة ستكون مجالها الحيوي وفق قواعد تختلف عن أساليب النهب إلى توطين العمل واستغلال الثروات وفق منافع مشتركة.
هذه الرؤية بدأت الآن بأفريقيا، وأميركا الجنوبية، فصارت تحول فائض أرباحها من الاستثمارات الخارجية، إلى دول خارج تصنيف المواقع الجاذبة للاستثمار، وهي خطوة قد يراها البعض مغامرة غير محسوبة النتائج، وآخر قد يعتبرها تأكيداً لمنطلقات أيدلوجية بأساليب تختلف عن الغزوات الشيوعية، لكنها في المنطق هجرة محسوبة النتائج حين تخرج الصين فائض سكانها من المدربين والقوى الفاعلة في العالم، لتبحث عن بيئات يتوفر فيها إنتاج سلع تتناسب والأسواق الفقيرة، وقد يعتبر هذا الاتجاه انقلاباً على أبجديات الرأسمالية الاحتكارية حين يصبح الإنسان عامل تغيير في قواعد الاقتصاد.
الصين بدون شك، معيار القوة التي تغزو العالم بسلعها الرخيصة، وبدون تصدير الأساطيل، والأقمار التجسسية، والجيوش، وستكون غزواتها السلمية إثراءً لعالم جديد يولد من أفق آسيوي عريق بالحضارة، ولذلك لن يكون بدعاً أن ترى الصين في زوايا البيوت ومعالم المدن، والطرقات لتعلن كبرياء الدولة العظمى بطاقات شعبها العظيم.