كل معارض الكتب في كل مدن العالم تريد إيصال رسالة واحدة وحيدة «اقرأ» ولقد وصلتنا هذه الرسالة منذ خمسة عشر قرناً، وصلتنا نحن العرب المتوسطين قلب الصحراء في تلك الأزمنة الغابرة بلا أسواق، ولا ناطحات سحاب، ولا معارض كتب، جاءنا الأمر أولاً وقبل كل الأمم: «اقرأ» كانت أول الآيات التي هبط بها الوحي على رسولنا الكريم ليقول لنا، بالقراءة تعلمون، وبالقراءة تسودون، وبها ترتقون أعظم الدرجات.. بالقراءة تصيرون أسياد العالم ومالكي مصائركم.
لم يحتف العرب في طقوس حياتهم قديماً، بقدر احتفائهم بعكاظ الشعراء والشعر، فمن لم يقل شعراً في عكاظ لا يعد شاعراً، وحده سوق عكاظ وملتقاه السنوي شهادة الميلاد والاعتراف، أما اليوم فلا يحتفي الإنسان الموغل في وعيه وإنسانيته وسط غثاء الانشغالات والزحام، والأصوات وصراخ الأسواق والسلع والاستهلاك بقدر احتفائه بعكاظ الثقافة، بمعارض الكتب.
ليس كثيراً، ولا مربكاً أن يكون لنا معرضان للكتاب في الإمارات، معرض الشارقة ومعرض أبوظبي، وليست هذه المعارض تصير إلى ازدياد، ويُقام في كل إمارة معرض، لعل ذلك يفتح شيئاً من نافذة الأمل على نهار آخر تصبح فيه المعرفة والقراءة شغلاً في حياتنا يوازي الاشتغال بالسوق والعقارات والأسهم.
في أحد معارض الكتب السابقة، وفي دليل إصدارات هذا المعرض كَتَبَ القائمون على أمر التنظيم منذ سنواتٍ الجملة التالية «كان الفارابي يحلم بالمدينة الفاضلة، وكان شعراء عكاظ يأملون بالمدينة الشاعرة، ولكننا في المجمع الثقافي ومنذ عقدين من الزمان نسعى إلى بناء المدينة القارئة، ذلك أن مثل هذه المدينة تكون هي القادرة على تكوين الإنسان الواعي الحريص على تقدم أمته والمؤمن بقيم الحق والخير والجمال».
لندع السياسي يرقب العالم وفق ما يشاء، يطلق صراخه وحروبه وحساباته، ففي النهاية لن يتأسس العالم وفق ثقافة البشاعة والحروب والكراهية، إلا إذا ألقينا نحن كأفراد عاديين بسطاء، وكمثقفين منتمين ومعنيين، كل المجاديف، وتركنا القارب يغرق، وهنا يكون السياسي قد فعل كل ما استطاع، بينما نحن لم نفعل شيئاً على الإطلاق،
حتى وإن كانت النوايا طيبة، ودفاعنا الكلامي يصل عنان السماء، فلا النوايا الطيبة تقود إلى الجنة، ولا أطنان الكلام تفتح بوابات المدن نحو الحضارة والمجد. إن العمل القائم على الوعي وحده مفتاح الطرقات المضاءة بالحقيقة أياً كانت قسوتها أو قوة نفوذها، فإنها تظل أفضل بمليون مرة من الجهل السادر في نحو اختطاف قيمة الإنسان من حيث هو الكائن المكلف بخلافة الله في الأرض.