في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الحالية في العالم العربي وخاصة في فلسطين والعراق ولبنان تبدو الحاجة ماسة لوجود دور عربي بارز يأخذ زمام المبادرة ويدعو إلى بذل كل الجهود العملية لإخراج المنطقة من المخاطر التي نبه إليها العديد من الساسة العرب والدوليين.
وأهم هذه التحذيرات جاءت مؤخراً في خطاب العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أثناء الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة الـ 27 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض عندما حذر من مغبة انفجار المنطقة العربية والتي وصفها بأنها «خزان مليء بالبارود، ينتظر شرارة لينفجر».
ولا يخفى على أحد أن المنطقة العربية تمر بأزمة حقيقية شديدة الخطورة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجها. كما لا يخفى على أحد أنه عندما يحذر قائد عربي كبير من مغبة انفجار المنطقة العربية يعني أن هناك ضرورة ملحة لتحرك عربي جماعي من أجل توفير رؤية شاملة تعالج الأزمة باتجاه القضاء على بذورها مروراً بجذورها حتى لا يبقى منها ما يعكر أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
لقد وجه الملك عبدالله ثلاث رسائل للمناطق الأكثر اضطراباً في المنطقة، وهي فلسطين والعراق ولبنان. أولاً: على صعيد القضية الفلسطينية، أكد الملك عبدالله أن الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني هو الأخطر على هذه القضية، وانتقد في الوقت نفسه المجتمع الدولي الذي يقف موقف المتفرج إزاء مأساة الشعب الفلسطيني الذي يعاني منذ وقت طويل من «العدوان الإسرائيلي البغيض الذي لا يخشى رقيباً ولا حسيباً».
ثانياً: حول الأزمة العراقية وصف الملك عبدالله المرحلة التي يمر بها العراق بأنها مرحلة من الظلام، محذراً في ذات السياق من أن ينحدر الوضع في العراق إلى الفرقة والصراع المجنون، وخصوصاً أنه «ما زال الأخ يقتل أخاه». ثالثاً: أما حول الأزمة اللبنانية فنبه الملك عبدالله اللبنانيين من مغبة الانزلاق إلى حرب أهلية ثانية، وقال إن هناك سحباً داكنة تهدد وحدة الوطن اللبناني وتنذر بانزلاقه من جديد في كابوس النزاع المشؤوم بين أبناء الوطن الواحد.
إن هذا التشخيص السياسي الموجز والدقيق في الوقت ذاته لأوضاع المنطقة العربية من قبل الملك عبدالله يجب أن يقرأ على أنه تعبير عن الخوف والقلق الذي ينتاب القادة العرب في دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك القادة العرب عموماً على مستقبل هذه المناطق العربية الثلاث الساخنة التي تؤثر على وتتأثر بها سلباً أو إيجاباً باقي الدول العربية.
وان الخوف والقلق على هذه المناطق العربية سببه وجود عوامل خارجية كالاحتلال في فلسطين والعراق واستمرار سياسات دولية يغلب عليها طابع الجمود والانعزالية وازدواجية المعايير، في الوقت الذي لم يخف العاهل السعودي أمام أشقائه القادة الخليجيين استياءه العميق من مواقف الساسة الأساسيين في هذه المناطق الثلاث ومن استمرار الخلافات السياسية والإيديولوجية بين الأطراف السياسية المختلفة في كل من فلسطين والعراق ولبنان.
إن الأزمات السياسية المتأججة في هذه المناطق تنذر بخطر محدق على كل الدول العربية إذا لم تتوفر الحلول المناسبة لكل منها، وان هذه الحلول تتطلب انغماساً حقيقياً وتدخلاً مباشراً من قبل كل الدول العربية، الأمر الذي يستدعي تدخل قائد سياسي عربي قادر على توحيد الصفوف وترشيد الجهود وممارسة الضغوط اللازمة على اللاعبين السياسيين الأساسيين على الساحة الدولية وداخل هذه المناطق الساخنة من الوطن العربي.
إن الشعوب العربية التي التفت في الماضي حول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لما كان لهذا القائد من تأثير ومصداقية تجاه مختلف القضايا بالرغم من وقوعه في العديد من المطبات السياسية، تتطلع الآن إلى دور مميز لقائد عربي ذي مصداقية عالية لدى الشعوب وقدرة على إحداث التأثير المطلوب في الواقع السياسي.
إن مكانة المملكة العربية السعودية السياسية والاقتصادية والدينية في المنطقة والعالم ووجود شخصية عربية أصيلة مثل الملك عبدالله الذي يثق به شعبه وكل الشعوب العربية وله من التأثير ما له في العالم الإسلامي والعالم الخارجي مؤهل على أن يلعب دوراً محورياً وحيوياً لاحتواء الأزمات الراهنة في المنطقة.
فقضية فلسطين التي تواجه خطراً مزدوجاً مصدره الاختلاف الداخلي واستمرار الاحتلال الإسرائيلي بحاجة إلى معالجة سياسية عملية تبدأ بدعوة القادة الفلسطينيين من كل الأطياف السياسية لإقناعهم بضرورة حل خلافاتهم السياسية والعمل فوراً على تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على مواجهة الخطر الخارجي.
كذلك الأمر بالنسبة للملف اللبناني الذي أصبح بحاجة إلى مساعدة عربية قوية لإخراجه من محنته السياسية وإعادته إلى مساره الصحيح حتى لا يقع فريسة التناقضات الداخلية ويدخل نفقاً مظلماً يصعب حينئذ على الدول العربية إنقاذه من التمزق والتشرذم.
وفي هاتين الحالتين يتذكر الشعب العربي الدور الكبير التي لعبته المملكة العربية السعودية في عام 1989 لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية من خلال اتفاق الطائف، ويأمل الشعب العربي مجدداً أن تقوم المملكة بقيادة الملك عبدالله بلعب دورها الطبيعي والريادي في دعوة الأطراف الفلسطينية واللبنانية إلى المملكة للبدء في محادثات وطنية وبإشراك أطراف عربية ذات صلة مباشرة بالملفين اللبناني والفلسطيني.
أما فيما يخص الملف العراقي الأكثر تعقيداً في تركيبته الداخلية وتأثير الخارج عليه، فالمملكة العربية السعودية تستطيع أن تقود حملة دبلوماسية عربية وإسلامية للبحث في الملف العراقي مستفيدة من الدراسات والتقارير الدولية ذات الصلة ومن الاستعداد الدولي بما فيه الأميركي لبذل كل الجهود لإنقاذ العراق من خطر التقسيم والحرب الأهلية.
إن الشعوب العربية أصبحت ناضجة ومستعدة للالتفاف حول من يقود سفينة العرب نحو الأمن والاستقرار والازدهار في ظل الأوضاع الراهنة على مستقبل المنطقة بأسرها. قد لا تبدو مسيرة العمل لإنقاذ المنطقة العربية من الإصرار على التمزق طيعة وسهلة ولكن البديل لذلك هو مزيد من الدمار والقتل والفتنة.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com
