تعيش دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام حالة غير مسبوقة في تاريخها، تتجسد في أول تجربة انتخابية برلمانية كخطوة أولى بدأت تتخذها الدولة الاتحادية لإرساء قواعد الديمقراطية، ولا شك أن المشهد السياسي قد شهد تغيراً، بصرف النظر عن كونه محدوداً أو كبيراً.

فلأول مرة في تاريخ الأمة الاتحادية يبدأ مجموعة من المرشحين في عرض برامجهم السياسية على الشعب الإماراتي، يحاول كل منهم أن يقدم أفكاراً إصلاحية على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصحية وغيرها. وكل منهم يبذل قصارى جهده في إقناع الجماهير بانتخابه.

أليست هذه حالة غير مسبوقة؟ أليس من دواعي السرور أن يبدأ الناس خارج السلطة في التفكير؟ أليس من دواعي الأمل في مستقبل أفضل أن تتعدد الرؤى وتختلف الأنظار؟ وإذا كانت هذه المجموعة التي تقدمت للترشيح قد قدمت أفكاراً إصلاحية بصرف النظر عن قوتها أو ضعفها، أفلا يؤدي هذا إلى حالة من «العدوى» إن صح التعبير، حالة من العدوى بين عامة الناس، فيبدؤون في التفكير فيما هو عام، ويكفون عن حالة اللامبالاة التي يعيش فيها كثير منهم!!

لقد وصف بعض المغرضين من الخارج الانتخابات المرتقبة بأنها «صورية»! لكن أظن أفضل رد عليهم هو ما سبق أن أكدنا عليه، وهو أن المشهد الإماراتي بالفعل قد بدأ بالتغير، ومظاهر هذا التغير لم تبدأ فقط بانتخابات الفصل التشريعي المقبل للمجلس الوطني الاتحادي،

بل بدأت قبل ذلك بكثير عندما عبر الكثيرون عن آرائهم بحرية على صفحات الجرائد المحلية، وانتقدوا كثيرا من الأشياء على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصحية والإدارية ولم يتعرضوا لأي ضغط أو سوء أو استجواب. ومن ثم لا معنى للادعاء الذي يدّعيه البعض من أنه يوجد تضييق شديد على حرية التعبير.

ومن مظاهر التغيير الحقيقي في المشهد السياسي الإماراتي، أن الفصل التشريعي المقبل للمجلس الوطني الاتحادي سوف يشهد اختلافات كثيرة ومتنوعة، حيث ننتظر أن يُحدث تغيراً في طبيعة سلطاته نحو مزيد من السلطات التشريعية ومزيد من التخلي عن دوره الاستشاري الهشّ والهامشي الذي كان يؤديه في السابق دون فعالية حقيقية.

ونحن ننتظر من المواطن الإماراتي، أن يقوم بدوره في اختيار النواب المعبرين عن مصالح الأمة، والمعبرين عن هموم الوطن والمواطنين، فلن يكون للمجلس القادم أية قيمة بدون حسن اختيار نصف أعضاء المجلس، أما النصف الآخر فينتظرنا الأمل أن يتم تعيينهم من بين أهل الكفاءة، لا من بين أهل الثقة! وبطبيعة الحال، إن لدينا شرائح عدة من القابلين للاختيار:

1 ـ أهل الثقة والكفاءة.

2ـ أهل الثقة الذين يفتقدون الكفاءة.

3ـ أهل الكفاءة غير المتطلعين أو الذين يبتعدون عن ممارسة العمل السياسي.

4ـ أهل الكفاءة لكنهم ليسوا موضع ثقة، إما بسبب حقيقي أو بسبب آخر. وفي ظني واعتقادي أن كل هؤلاء يمكن الاستعانة بهم، عدا الصنف الثاني، لأنه صنف ضعيف، غير مبال، وغير قادر على إعطاء أي شيء، ومن ثم سوف يكون عالة على أي عمل يُسند إليه.

ومن هنا، فإن حسن اختيار المعنيين، وحسن اختيار المنتخبين، هو الذي سوف يحدد طبيعة مضمون التركيبة التي سيحتويها المجلس الوطني الاتحادي المقبل، ومن ثم تتحدد مدى قدرته على تقديم شيء إيجابي للناس.

وأكثر شيء أود أن ألفت نظر الناخبين إليه هو أن يختاروا من لديه برنامج انتخابي واضح وقابل للتطبيق، ويكون صاحبه نفسه من المعروف عنهم الشجاعة تجاه مواجهة أي فساد إداري وسوء استخدام السلطة، والرغبة في الإصلاح، والقدرة على التعبير عن هموم الوطن والمواطنين، وعدم تسامحه إزاء أي شيء يؤثر على مصلحة الوطن،

فضلا عن المبادرة إلى إخضاع أية مخالفة للاستجواب، وإخضاع أي شخص مخالف للمصلحة العامة إلى المساءلة القانونية وهذا ما أكد عليه مراراً وتكراراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأن يكون لديه من المؤهلات الشخصية ما يجعله قادراً على ممارسة دور النائب في الرقابة على الحكومة، والدفاع عن استقلال القضاء، وحقوق الإنسان وفق المواثيق الدولية.

ويجب أن لا ينخدع الناخبون بالكلام المعسول والوعود الكاذبة والبراقة، بل عليهم أن يضعوا في اعتبارهم تاريخ الشخص المرشح للمجلس الوطني، وتجاربه في العمل الأهلي والتطوعي.

وأخشى ما أخشاه هو أن يتدخل رأس المال في العملية الانتخابية، ف«لعبة المال» والثروة لعبة خطرة ومؤثرة، وربما توجه إرادة الناخب وجهة غير صحيحة تجاه اختيار المرشح ما لا يبغى من وراء ترشيحه إلا واجهة سياسية أو نوعاً من الوضعية الاجتماعية!! وأرجو أن يكون الناخبون أنفسهم على مستوى المسؤولية في الإقبال على الانتخابات والمشاركة في التصويت.

وإذا كان الذين لهم حق الانتخابات فئة لا تتعدى «6689» شخصاً، فإن على هذه الفئة ان تقوم بدورها التاريخي في هذه اللحظة التاريخية التي أتاحت لهم المشاركة دون غيرهم، على أمل أن تكون الانتخابات في المستقبل شاملة لكل المواطنين في الدولة الاتحابية دون استبعاد أو إقصاء لأحد، وخاصة أن دستور الدولة ينص على أن كل الأفراد أمام القانون متساوون، ولا يوجد في الدستور أي لون من ألوان التمييز بين مواطني الدولة الاتحادية على أي أساس من الأسس، سواء كانت تتعلق بالمركز الاجتماعي أو الأصل أو المذهب أو غيرها من الأسس.

هذه في ظني الأضلع الرئيسية للعملية الانتخابية، التي هي كما أكدنا مراراً خطوة على الطريق الشامل للديمقراطية، وهي خطوة ضرورية رغم انها ليست كافية، لكن التدرج سنة الحياة، وسمة أي إصلاح حقيقي أن يقوم على أسس مدروسة،

فالانتقال الفجائي من حالة إلى حالة قد يؤدي إلى كارثة حقيقية مثل تلك الحالة التي وصل إليها الاتحاد السوفييتي بسبب إصلاحات «غورباتشوف» المتسرعة والمتهورة والتي أدت إلي تفكك القوة العظمى الثانية في العالم، مما أضر بالاتحاد السوفييتي بسبب انفراد الولايات المتحدة الأميركية بالقمة واختلال التوازن الاستراتيجي في السياسات الدولية نتيجة هيمنة قطب واحد على العالم. والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات