عاش المشروع النووي الإسرائيلي حوالي نصف قرن، بين النكران والغموض ،ضربت تل أبيب سياجاً صارماً من السرية حول منشآته. ويقال إن هذه الأخيرة بقيت محجوبة، حتى عن أعز الحلفاء وخبرائهم. ومنهم واشنطن. وحده المكان معروف: ديمونة، الذي تم تشغيله في الأساس بمفاعل نووي فرنسي صغير. ونام المشروع في العتمة الداكنة.
إسرائيل تعاملت مع العالم بشأنه، بالصمت المطبق والتجاهل التام، وعندما فاحت الرائحة، لجأت إلى عبارة أشد التباساً: «لن نكون أول من يدخل السلاح النووي إلى مسرح المنطقة (!). لم تحد عن هذا الغموض وبهذا النص، طيلة عقود. فهو لا ينفي ولا يؤكد.
الغرض: إرباك العرب وترهيبهم، في آن. ساعدها في ذلك، غطاء أميركي؛ تكفل بحماية تل أبيب من الضغوط للكشف عن برنامجها النووي؛ ولحملها على الانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية؛ وبالتالي وضع منشآتها المعنية تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية الدولية.
في ظل هذه الحماية كبر مشروعها وأثمر حوالي 200 قنبلة نووية. رقم تداولته تقارير ومراجع عديدة. من بينها الخبير الإسرائيلي موردخاي فعنونو؛ الذي اختطفته المخابرات الإسرائيلية من إيطاليا؛ بعدما كشف لإحدى الصحف الأوروبية عما يملكه من معلومات عن هذا الملف؛ الذي كان واحداً من بين الذين عملوا في حقله. وبالرغم من معلومات ترددت مراراً وتكراراً إلا أن تل أبيب واصلت ترك هذا السر داخل صندوق مقفل بإحكام.
الآن أميط اللثام عن هذا السر ـ اللغز وعلى يد أهله. وزير الدفاع الأميركي الجديد، روبرت غيتس، أكد في تصريح له، قبل أيام، امتلاك إسرائيل للسلاح النووي. وبعده بأسبوع تبرع أيهود اولمرت رئيس وزراء إسرائيل خلال مقابلة مع تلفزيون ألماني، بكلام يفيد بأن إسرائيل صارت من بين البلدان التي تملك هذا السلاح.
إشارته الصريحة أثارت شبه عاصفة في إسرائيل والصحافة المحلية والدولية. من الإسرائيليين من قامت قائمته على رئيس الوزراء ودعاه إلى الاستقالة؛ على أساس أنه كسر سياسة إسرائيلية، متعارفا عليها وتمس أمن الكيان. آخرون رأوا في كلمته رسالة تحذير وتهديد موجهة إلى إيران وغيرها. مصادر أولمرت سارعت إلى إدراج العبارة في خانة سوء الفهم. لاسيما بعدما تراجع عنها.
من دون الدخول في تحليل ما صدر عن أولمرت ولماذا؛ وبغض النظر عن الردود والتفسيرات الإسرائيلية؛ الملف النووي الإسرائيلي طلع من الغموض إلى دائرة الضوء. النفي لم يعد ينفع. اللفلفة صارت سقيمة. من الصعب إن لم يكن من المستحيل تسويق التفسير الرسمي؛ بأن أولمرت أسيء فهمه. أو أنه ارتكب هفوة. من غير المنطقي أن يقع رئيس حكومة في زلة لسان حول سلاح نووي. هذا موضوع لا يحتمل الغلط وقلة الانتباه؛ ومن مسؤول بهذا المستوى.
وعليه فإن الأهم الآن هو التساؤل: هل تنهي واشنطن العمل بسياسة الكيل بمكيالين، في الشأن النووي وتعمل على حمل إسرائيل للانضمام إلى معاهدة منع انتشار السلاح النووي؛ بعدما انتهت حقبة الخداع الذي مارسته هذه الأخيرة؛ في هذا الخصوص؟ هل إشارة وزير الدفاع الأميركي الجديد إلى امتلاك إسرائيل السلاح النووي، هي بداية لمثل هذا التغيير؛ أم أننا متفائلون أكثر من اللازم؟
من زمان بات معروفا أن تل أبيب تملك ترسانة نووية هائلة، وما جاء على لسان غيتس ثم أولمرت، ليس أكثر من دمغ هذه المعلومة بالخاتم الرسمي. وبالتالي لم يعد مقبولاً أن يتم الاستمرار في التغاضي عن ضرورة إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية لرقابة وكالة الطاقة النووية؛ على أقل تقدير.