في موروثنا الشعبي طرائف وحكايات مسلية تنتزع الضحكات من أفواه المحزونين، الذين تضن عليهم الدنيا بالفرح فيسرقونه من وراء ظهر زمانهم الجائر، وأشهر هذه الطرف حكاية شهود الزور الذين يقفون أمام أبواب مجالس القضاء في عصور الدول الأولى الأموية والعباسية وما خلفها،
ويخلفهم أحفادهم الآن على أبواب المحاكم ودور العدل، وغايتهم الوحيدة أن يستأجرهم صاحب قضية ليكونوا شهوده على خصمه، ليقهره من دون وجه حق، وغالباً ما وقعوا في فخ نصبه قاض فطن لبيب لم ينطل عليه الخداع، فاضحك الجمهور على شاهد الزور، الذي تبين أنه «شاهد ما شفش حاجة»!
في عصرنا الراهن ترث وكالات الأنباء والصحف والفضائيات الإخبارية الغربية بجدارة دور شاهد الزور، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا وطننا العربي، وفي القلب منه صراعنا مع العدو الصهيوني المتمثل في دولة الاحتلال إسرائيل الغاصبة لفلسطين، ودرة تاج المجد الإسلامي والعربي القدس وجوهرتها المسجد الأقصى.
وبالمثل قضية احتلال العراق، في أوسع عملية قرصنة ونهب تحت شعار مضلل «تحرير العراق» وجعله نموذجاً ديمقراطياً تحتذيه دول المنطقة. قبل أن يفيق القراصنة الدوليون على «كابوس» الفوضى والعنف والمقاومة لشعب سرقت منه دولته.
في الشأن الفلسطيني، يقف شاهد الزور الغربي على تلال من الأكاذيب التي تسد عين الشمس، وتجعل الرواية الصهيونية للنكبة العربية هي الأصل والمرجعية. ويصبح الفلسطيني المغتصبة أرضه مجرد «لاجئ» يستحق المعونة من مجتمع دولي أدمن النفاق، ويحرمه من حقه في العودة لوطنه ومنزله. وان رفض الخنوع واختار المقاومة لاسترداد حقه يصبح «مخرباً» أو «إرهابياً» أو «انتحارياً»، حسب المصطلحات التي نحتها مستعربو أجهزة مخابرات جيش الاحتلال، وتبناها الإعلام الغربي.
وتنتصب أم أكاذيب شاهد الزور الغربي، شامخة لا يقدر أحد على الهمس بها، أو وضعها موضع النقد والتمحيص التاريخي. وكل من يجرؤ على نقد أكذوبة «الهولوكست» أو المحرقة النازية لليهود، يصبح مجرماً ومعادياً للسامية تلاحقه كل أجهزة العدالة الغربية المزيفة. لدرجة أن مؤرخين وفلاسفة تعرضوا لحملات ترويع وتفتيش وحصار، تفوق كل جرائم عصور الظلام الأوروبي، وتتراجع أمامها مظالم محاكم التفتيش الكنسية في القرون الوسطى.
في هذا السياق، وتحت سطوة سيف تهمة «معاداة السامية» يصمت كثيرون، وعندما يجرؤ أحد على الكلام، مثل ما فعله مؤخراً الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وكشفه عن القليل من جرائم إسرائيل، يهيج عش دبابير «اللوبي الصهيوني» ويقيم الدنيا ولا يقعدها قبل ان يجبر الناطق بنصف الحقيقة على الصمت، أو ان يلعق كلامه، أو ان يرضى بالحصار الخانق الذي يحيله إلى اسم في قائمة «الممنوعين» من الظهور على شاشة شهود الزور.
أما في الشأن العراقي، فالمصيبة أكبر من ان نلم بإبعادها في هذه الإطلالة السريعة، لأن وقائع التدخل والغزو والتمهيد له، مليئة بالأكاذيب التي تلد بعضها بعضاً. وتتكاثر الأكاذيب أيضاً في محاولة الخروج من مستنقعه الآن بعد ان فشل مخطط المحافظين الجدد وسقوط نجمهم الذي هوى من سقف البنتاغون دونالد رامسفيلد، ومعه السقوط المزري للحزب الجمهوري.
في التمهيد لغزو العراق يمكن حصر عشرات الأكاذيب التي روجت لها كل من واشنطن ولندن، وبثها شاهد الزور الإعلامي وصنع منها عناوين لصحف العالم، أشهرها أكذوبة «أسلحة الدمار الشامل العراقية» ورديفها أكذوبة «علاقة بغداد بتنظيم القاعدة الإرهابي». وخلال الغزو تتنوع الأكاذيب بين قصص ومشاهد مصنوعة بخدع سينمائية ومسرحية وإعلامية، تتبدى فيها حنكة شاهد الزور.
عندما صور لنا مشهد اسقاط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين، وجماهير تهتف ضده، ورجل مسن صفع صورته بنعله، وتبين أنهم جميعاً مستأجرون جيء بهم على عجل بطائرة من خارج العراق! يضاف إليها أكذوبة «إعمار العراق» والتي تبين أنها نهب واسع لعملية تخريب العراق، بطلها الشركات الأميركية الكبرى، وعدد من تجار وسماسرة السياسة العائدين على ظهور دبابات الاحتلال، والذين اشتهر بعضهم بسرقة مصارف وبنوك عربية، واعتمادات أميركية قبل الغزو.
الآن، يسوق شاهد الزور وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر على انه صاحب تقرير فضح جرائم الاحتلال الأميركي للعراق، لكنه لا يأتي على ذكر دور بيكر ضمن عمليات التربح من نهب العراق، فهو المبعوث الرئاسي المعين منذ يناير 2004، لتسوية الديون العراقية. وتتداخل مهمته «النبيلة» حسب وصف بوش لها، مع عمله في شركة «كارلايل» وامتلاكه والرئيس الأميركي لأسهم فيها، وهي المؤسسة التي تعمل لصالح تحصيل ديون لإحدى الدول من العراق، على ان تستأثر «كارلايل» بنصف ما تحصله ويقدر بنحو 27 مليار دولار.
شاهد الزور الغربي لن تنقضي عجائبه ويبطل نفوذه إلا بعد ان ننهي احتكاره للإعلام، ونحوله من إعلام بالأسطورة والأكاذيب إلى إعلام بالحقيقة المسكوت عنها.