تأملت المحيط الهاديء وأنا أقف على شرفة مطعم دار الأحياء البحرية (الإكواريوم) في مدينة فيرمنتل القريبة من مدينة بيرث بالجنوب الغربي لاستراليا، حيث استضافتنا الجمعية الاسترالية لعلم الاجتماع بمناسبة انعقاد مؤتمرها السنوي الذي حضرناه خلال الرابع إلى السابع من الشهر الجاري،

أقول تأملت أثناء ذاك الحفل في المطعم الفخم على المحيط الهاديء المترامي الأطراف وأنا أفكر بأولئك الذين عبروا هذا البحر العظيم للوصول إلى هذه الأرض المجهولة. وقبل أن تأخذ تلك الأفكار بلبي كنا قد طفنا بالإكواريوم العجيب، فهو قد صمم بحيث يشعر الزائر وكأنه يسبح بين أسماك مختلفة الأشكال والأحجام، ومنها أسماك القرش المفترسة الضخمة.

وقصة أستراليا هي قصة الإنسان الأوروبي المستعمر لأراضي الشعوب الأخرى تحت دعاوى متعددة لعل أبرزها (نشر الحضارة والأخذ بيد الشعوب البدائية نحو الرقي والتقدم)، ولاشك أن تلك الدعاوى لم تكن سوى دعاية كاذبة حتمتها ظروف التسابق على السيطرة على أكبر مساحة من الكرة الأرضية التي احتدمت بين الدول الأوروبية مع بداية الكشوف الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر.

ومن الغريب أن أستراليا لم تبهر المستكشفين الأوائل، فقد وصفها القبطان الإنجليزي وليم دامبيير، الذي وطأت قدماه غرب تلك البلاد في العام 1688م ( بأن أرضها رملية جرداء لا زرع فيها ولا ماء، أما أهلها فهم أبأس خلق الله، وهم من حيث قربهم من البشر، فإنهم يختلفون قليلاً عن القردة)!! وكان مثل هذا الانطباع يحمله الهولنديون أيضاً الذين اكتشفوا القارة قبل ذلك التاريخ بأربعين عاماً.

وقد تغيرت هذه النظرة إلى الإنسان البدائي مع عصر التنوير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث راجت فكرة (الإنسان البدائي النبيل) واعتبر أسعد خلق الله. لذلك، فحينما اكتشف قبطان إنجليزي آخر اسمه جيمس كوك منطقة سيدني في العام 1770 وصف أهلها الأصليين (الأبوريجينز) (بأنهم وإن بدوا للبعض بأنهم أكثر أهل الأرض بؤساً وشقاءً،

إلا إنهم في حقيقة الأمر أكثرهم سعادة ورضاً، فهم يعيشون في جو جميل لدرجة أنهم ليسوا بحاجة إلى ملابس، أما طعامهم فمتوفر بكثرة). وكان السكان الأصليون في حقيقة الأمر يعيشون آنئذ على الجمع والالتقاط، أما من حيث التطور التاريخي فكانوا ينتمون إلي العصر الحجري، إذ لم يكونوا قد اكتشفوا المعادن بعد، أما منطقتهم فأطلق عليها كوك (جنوب ويلز الجديدة).

وقد اقترح أحد مساعدي كوك بعد ثلاث سنوات على مجلس العموم البريطاني أن تستخدم تلك الأرض المكتشفة كمنفى للمجرمين، وهو ما كانت تقوم به بريطانيا منذ أكثر من نصف قرن، إذ كانت تبيع المجرمين إلى أصحاب السفن الذاهبة إلى أميركا وكان هؤلاء بدورهم يبيعونهم على المزارعين في الجنوب كعمال.

وقد استمرت بريطانيا بالقيام بذلك بعد قيام الثورة الأميركية 1776 بغية تركيع الثورة، إلا إنها لم تفلح واعترفت بها أخيراً في العام 1783. وقد أدى ذلك إلى إنضاج فكرة إرسال المجرمين ونفيهم إلى تلك الديار البعيدة المكتشفة للتو، حيث تقرر في العام 1786 إرسال 750 رجلاً وامرأة من الذين صدرت بحقهم أحكام طويلة.

وقد ضج الكثيرون من أفراد الطبقة الحاكمة بهذا القرار وتساءلوا عن الحكمة من إرسال مجرمين كي يقيموا أركان مجتمع جديد، وشككوا في قدرة هؤلاء بإقامة (مجتمع صالح) يسوده القانون وهم أول الخارجين عليه!! وتعسفت السلطات البريطانية في تطبيق قانون العقوبات،

إذ غدت فيما بعد ترسل أي محكوم ولو بجريمة بسيطة بدعوى (تنظيف المجتمع من عناصره الفاسدة)، وبالفعل لم يستطع هؤلاء كسب قوتهم، وحلت بهم المجاعة رغم توافر سبل الإنتاج عندهم، وكانت مشكلتهم الرئيسية عدم المواظبة في العمل وهي الخصلة التي قادتهم في المقام الأول إلى حياة الجريمة، وأخذوا يعتمدون في معاشهم على ما تبعثه السلطة البريطانية في لندن من غذاء وكساء!!

ولم يكن بد والحال هذه إلا بجلب مستوطنين وتوزيع الأرض على كبار الموظفين والعسكريين تشجيعاً لهم على توفير مستلزمات الحياة، أما المدانون فقد كوفئ المجد منهم بإعطائه مقابل عمله خمراً (الرَّم). ولم يقتصر شرب الخمر على أفراد الحامية البريطانية والمدانين بل تعداه إلى السكان الأصليين الذين باتوا يعملون أي شيء للحصول عليه بحيث تحولوا مع مرور الزمن إلى قوم يتفشى فيهم الإدمان.

وكان ذلك مدعاة لقيام تجارة نشطة لتهريب الخمور، وقد أبدى السكان الأصليون عدم ترحيب بالرجل الأبيض الذي أخذ يستولي على أراضي هؤلاء بحيث أصبحت عملية الجمع والالتقاط أكثر صعوبة!! وكانت مظاهر رفضهم (للوجود الأجنبي) عدم التعاون معه وسرقة أموال وأغذية المستعمرين وقتل أفراده إن أمكن. وكان يسوء هؤلاء (الأبورجينز) إن الرجل الأبيض يقوم بقطع الأشجار وقتل واصطياد بعض الحيوانات الأمر الذي كان يعتبره هؤلاء (تعدياً على مقدساتهم).

وقد حدث تطور مهم في العام 1791 في حياة مستعمرة سيدني والمناطق المحيطة بها. فإذا كان الرعيل الأول من المستوطنين البيض، المستقيمون منهم والمنحرفون من الطائفة البروتستانتية، فإنه في تلك السنة أخذت طلائع المجرمين من ايرلندا تتوافد على تلك الديار حاملة معها إرثاً طويلاً من العداء القومي والمذهبي للإنجليز.

وقد بلغ عدد هؤلاء 1207 مدانين في العام 1800م، رأى فيهم البروتستانت (عناصر غير موالية للتاج البريطاني ومهددة لإمبراطوريتها العظيمة)، ولم يطل المقام بهؤلاء ليعلنوا ثورة على أسيادهم الإنجليز في العام 1804 إلا ان تلك الثورة أخمدت بالقوة وأعدم قادتها، وأصبح الايرلنديون الكاثوليك طائفة من المستضعفين في تلك البلاد كما كانوا في بلادهم الأصلية.

وقبل تلك الثورة بسنة، قام أحد المدانين السابقين من البروتستانت بإنشاء أول صحيفة في (جنوب ويلز الجديدة) أسماها (سدني غازيت)، وقد امتلأت تلك الصحيفة بالمواعظ والحث على الأخلاق القويمة والعمل الصالح، ودعت كل مقيم على تلك الأرض بعدم الجري وراء الشعارات البراقة من قبيل (الحرية والمساواة والإخاء) وهي تلك الشعارات التي حملتها الثورة الفرنسية والتي وصلت إلى مسامع هؤلاء بعد سنة تقريباً من وقوع تلك الثورة حيث ابتهج لها البعض بوصفها عملاً رائعاً.

وفي العام 1819 كان قد بلغ عدد المستوطنين على تلك الأرض ثلاثين ألفاً و296 شخصاً منهم اثنا عشر ألفاً و176 من المدانين أو الذين انتهت الأحكام بحقهم ومن الذين أضحت تلك البلاد مسقطاً لرؤوسهم. فتداعى هؤلاء لاجتماع عام قرروا فيه رفع توصية للتاج البريطاني مطالبين بالعدالة في تطبيق القانون بغض النظر عن دين الشخص أو قوميته، وبرفع الضرائب على تلك البضائع المصدرة إلى بريطانيا ثم بتسمية القارة الجديدة باستراليا.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com