كثيراً ما نسمع ونقرأ هذه الأيام عن مصطلح الشفافية إذ تخرج علينا كل يوم تصريحات لمسؤولين يتحدثون عن نشاطات مجالاتهم بشفافية، وقد كانوا يستخدمون قبل ذلك مقولة أن أبواب مكاتبهم مفتوحة، ويرحبون بالنقد البناء إلخ..

فما هي قصة هذا المصطلح الذي كثر استخدامه هذه الأيام، الشفافية تعني الوضوح والصراحة وغير المستور والمكشوف الذي لا يخفي عكسه أو جزءاً منه. فهل فعلا هناك شفافية حقيقية في ممارساتنا؟ ولماذا يضطر المسؤولون لدينا ترديد هذا المصطلح بمناسبة أو بدونها؟

إن مجتمعاتنا النامية تعج بالمشكلات والصراعات والتجاذبات والتناقضات والتضادات، ونظراً لعدم وجود الشفافية في ما نطرح ونمارس نضطر إلى تبرير ذلك بطرح وتكرار هذا المصطلح، وهناك في عالمنا العربي ثلاث فئات من مستخدمي مصطلح الشفافية: الفئة الأولى الصادقة التي يتطابق قولها مع فعلها، والفئة الثانية التي لا يتطابق قولها مع فعلها.

ومع ذلك تعلن عن الشفافية في مواقفها وأنشطتها لتظل الناس، وتوهمهم، وتخلط الأوراق بينما في الحقيقة هي أبعد ما تكون عن الشفافية. والفئة الثالثة هي التي لا تؤمن بالشفافية أصلاً وغير محتاجة لاستخدامها لأنها تملك القوة والنفوذ ولا يهمها إن كانت هناك شفافية أم لا.

إن هذا المصطلح مستخدم اليوم من الجميع فتجد المسؤولين في دولنا يرددونه في تصريحاتهم، والمعارضون كذلك يستخدمونه في أطروحاتهم، وخطابهم بأنهم يريدون الشفافية في سياسات الحكومات وتنفيذها، لكن من المؤكد أن لا دخان بدون نار ذلك أن الإكثار من استخدام هذا المصطلح له ما يبرره، فأحياناً يكاد المريب يقول خذوني.

وإلا ما هو المبرر الذي يدفع المسؤولين للتصريح المستمر بأنهم يعملون بشفافية غير عدم وجود الشفافية؟! إن العمل بشفافية يعني العمل في النور، وفي إطار القانون، ولا يحتاج التصريح المتكرر لهذا المصطلح، فهل فعلاً يعمل الجميع في هذا الاتجاه، وإذا كان كذلك فلماذا الشكوى من المشكلات على كل صعيد وفي كل مجال؟

اليوم مع تطور وسائل الاتصال وصورة المعلومات لم يعد في الإمكان إخفاء الحقائق ولكن لا يزال البعض يعتقد أنه يستطيع فعل ذلك، نقرأ في صحافتنا كل يوم عن مشكلات يعيشها مجتمعنا في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وأن بعض تلك المشكلات هامة وخطيرة مثل: مشكلة انتشار المخدرات، ومشكلة حوادث المرور التي يذهب ضحيتها أعداد كبيرة من الناس، ومشكلات الفساد الإداري والمالي في مؤسساتنا، والتلاعب العلمي في مؤسساتنا الأكاديمية ومشكلات توريد العمالة وغيرها، وبعد نشر أي مشكلة تتعلق بهذه القضايا يخرج مسؤول عن قطاع من هذه القطاعات ليصرح بأنه سيتعامل مع المشكلة بشفافية وكفى فقد أدى ما عليه.

وأعتقد بأنه بذلك قد امتص تداعيات وآثار المشكلة بترديد هذا المصطلح! الذي يجب أن نعرفه ونؤكد عليه أن لا شفافية بدون ممارسة ديمقراطية حقيقية في بلداننا، من هنا يمكن القول بأن الحديث عن هذا المصطلح وغيره ذراً للرماد في العيون، وبغير جدوى ولا معنى ولا يحل مشكلة ما دام الأمر متعلقا بالديمقراطية، والإلحاح على الشفافية يعني إما غياباً للديمقراطية أو أنها تعاني من مشكلات في الممارسة والتطبيق.

ونسمع هذه الأيام أن بعض القوى المعارضة في مجتمعاتنا تضغط لقيام جمعيات للشفافية، ومن حقها ذلك لكن ألا يدعو الأمر تساؤلاً عن أسباب مثل تلك الدعوات، ومنطقتنا تشهد تجارب وارهاصات ديمقراطية؟ أليس ما نعيشه حالة من التناقض عندما يتم التصريح من قبل المسؤولين بأنهم سيتعاملون مع المشكلات بشفافية في الوقت الذي يعترف فيه الجميع مسؤولين ومواطنين بوجود الفساد واستشرائه في أجهزتنا ومؤسساتنا حتى أصبح مؤسسياً كما ذكرنا في مقالة سابقة؟

ويراهن البعض ممن يطلقون مصطلح الشفافية ويؤكدون تصميمهم على التعامل مع المشكلات بشفافية على أن الناس تنسى غداً ما قيل اليوم، وتنشغل بأمور جديدة تغطي على سابقتها، وعندها لا شفافية ولا هم يحزنون، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، ويعود تكرار المصطلح بعد ظهور أية مشكلة جديدة لكن ذاكرة الناس لدينا لم تشخ بعد ولا تنسى. كذلك من المهم أن نعرف أن طبيعة الوضع الاجتماعي في دولنا لا تسمح بطرح مسألة الشفافية .

كما يجب حيث المجاملة في علاقتنا الاجتماعية والتي تحول دون طرح الشفافية، ونود هنا أن نشير إلى بعض المشكلات التي واجهتنا ميدانياً في مجال عملنا في التدريس الجامعي.

لقد حدثت ولا تزال سرقات ومخالفات علمية خطيرة من قبل بعض حملة الدكتوراه وما كشف منها عولج بطريقة الشفافية المعهودة بالتصريح من قبل المسؤولين بمواجهة تلك الممارسات بشفافية وتطبيق القانون ومحاسبة المتلاعبين.

وبعدها لمجرد أن المتهم يرد على التهمة يخرج من يبرر السرقة والمخالفة بأنها اقتباس وتوارد أفكار، وأن الأسباب في كشفها شخصية وكيدية وتنتهي المشكلة! هذا هو مفهوم البعض للشفافية حتى في المؤسسات الأكاديمية التي يفترض أن يكون العمل فيها نقياً ونظيفاً وشريفاً.

يبدو أن الذي يستخدم مصطلح الشفافية للالتفاف على الحقائق يتمتع بقدر لا بأس به من الغباء فقد أثبتت الأيام أن مثل تلك الممارسات كشفتها الشفافية الحقيقية، ولن تفلت أخطاء الأمس واليوم من النقد والمحاسبة مهما طال الزمن نورد هنا واقعة تتعلق بمشكلة اقتصادية حدثت مؤخراً في سوق الأوراق المالية بالكويت في نوفمبر 2006م أساسها صدور قانون يسمى (قانون الإفصاح) أساسه ان البورصة ليس فيها شفافية.

وهناك ضرورة لنشر الطمأنينة في أسوق عبر اطلاع المستثمر على كل ما يجري بشفافية، عن طريق إعطاء المعلومة الصحيحة ذلك أن الشفافية ضرورة لنشاط السوق وعلى الإدارة ان تشرح بكل الوسائل وبكل شفافية ما يحدث في سوق الأوراق المالية لإزالة أي سوء فهم قائم وذلك بإنشاء قاعدة معلومات صحيحة.

يلاحظ القارئ بأننا ذكرنا الشفافية عدة مرات في هذه المشكلة في سوق الأوراق المالية، ماذا يعني ذلك؟

1 ـ إعطاء المعلومة الصحيحة ضرورة لسلامة التعامل.

2 ـ إن هناك معلومات مغلوطة أو مضللة أو مخفية عن المستثمرين وبخاصة صغارهم الذين هم عرضة لمغامرات وصفقات الكبار. لقد ارتكبت جرائم عديدة باسم الشفافية، وهذا مصطلح شأنه شأن مصطلحات أخرى مثل: المصلحة العامة والإصلاح وغيرهما.

نحن في مجتمعنا تسود فيها قيم موروثة تخفي كثيراً من الحقائق، ولا تواجه مشكلاتها بشفافية، وهي قيم تأصلت في عقولنا ووجداننا وسلوكنا. ويمكننا معرفة ذلك من خلال استمرار تلك المشكلات، وأسلوب تعاملنا معها، فهناك من يقول الحقيقة كاملة وهناك من يقول نصفها، وهناك من يخفيها، وهذا يعني أن الشفافية مفقودة إلا في حدود ضيقة.

ولا يمكن أن تكون هناك شفافية في تعاملنا في بيئة لا تتوفر فيها الحرية والديمقراطية، فالذي يؤمن بالشفافية ويمارسها بأمانة يحتاج إلى مناخ عام يحميه، ولا يتعرض إلى كيد الكائدين لأنه قال الحقيقة، وأراد بذلك إصلاحاً ونفعاً للبلاد والعباد. إذن هنا علاقة حميمة بين الشفافية والديمقراطية، وبذلك لا يمكن أن تتوفر الشفافية الحقيقية بدون ممارسة ديمقراطية حقيقية، ومن يقول غير ذلك واهم ويحرث في البحر.

كاتب كويتي