جريمة غزة التي أدت إلى مقتل ثلاثة أشقاء، كبيرهم في التاسعة، مع سائق السيارة؛ على يد مسلحين لاذوا بالفرار؛ أعادت الغليان إلى الأزمة السياسية الفلسطينية ـ الفلسطينية. وثمة قلق وتخوف مشروعان من أن تؤدي إلى انزلاق الخلافات إلى الشارع.

فالفاجعة، فضلا عن بشاعتها وفجاجتها المروعة، استهدفت عائلة مسؤول عسكري، محسوب على خندق رئيسي في الخلاف، الذي يجرجر منذ أشهر؛ من دون بلوغ حلّ أو تسوية وبصرف النظر عن هوية الجهة الفاعلة.

فإن التوتر بين الأطراف الفاعلة المعروفة أخذ شحنة جديدة من التأزيم. لكن قبل كل ذلك؛ وحتى لو أمكن تطويق الحادثة وتعطيل صواعقها ـ وهذا هو المرجو والمأمول ـ؛ فإن هذه الجريمة النكراء تأتي كصرخة مدوية؛ في جانب منها هي إنذار. وفي الجانب الآخر هي إدانة.

إنذار، ينطلق من التذكير بأن الساحة الفلسطينية لا تزال مفخخة وجاهزة للاشتعال. الفلتان الأمني، ولو خفت ظواهره في الآونة الأخيرة، على حاله. الضوابط مفقودة، في غياب الحل السياسي. التوتر في العلاقات، ولو خمد بعض الشيء هو في أحسن أحواله، مجمد.

وفي كل الحالات؛ مع بقاء كل طرف في خندقه المتباعد عن الآخر بالهواجس والمخاوف والشكوك المتبادلة؛ تبقى الساحة مكشوفة أكثر فأكثر للتلاعب فيها وتأجيج حساسياتها وخلافاتها أما الإدانة القاسية فهي للوضع المسؤول عن استمرار الأزمة السياسية والعجز، ناهيك بالعرقلة، عن التصدي لها بما تستحقه من جدية وإصرار للتوصل إلى صيغة حل، يكفل لملمة الساحة الفلسطينية والعمل على تحصينها لوقف نزيفها الداخلي واستنفار عوامل القوة فيها لتمكينها من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانيته المتواصلة والمتعددة الأشكال.

وفي هذا الصدد تجدر العودة إلى موضوع حكومة الوحدة الوطنية التي تعتبر الإطار الأساسي للتحصين المطلوب. وهنا ثمة مفارقة فجة. فمع تكرار كافة الأطراف الفلسطينية الحديث عن رغبتها وعزمها وسعيها لتأليف حكومة من هذا النوع؛ إلا أن المولود الموعود لم ير النور بعد. بل إن ولادته تبدو، حتى الآن، أبعد ما تكون. ثمة ما يحول دون حصولها. أو ما يعرقلها.

الاجتماعات واللقاءات التي جرت بين القيادات الفلسطينية في هذا الخصوص، كانت كافية للعثور على حل لمعضلات ومشكلات، أشد صعوبة وتعقيدا من مسألة الحكومة.

في عدة مرات جرى التبشير بقرب الإعلان عن التشكيلة الوزارية أحياناً تحدثت مصادر فلسطينية مطلعة ومنخرطة في العملية، عن حصول التوافق التام وعن أن الكشف عن الأسماء بات على مسافة ساعات وفجأة كان التأجيل يطل برأسه. ثم تتكرر قصته؛ تحت ذريعة الحاجة إلى بعض الوقت من أجل وضع اللمسات الأخيرة!

لكن التأجيل تحول إلى تسويف ثم إلى تعطيل ..على ما بدا . وبعد ذلك سقط الموضوع في النسيان وغاب عن التداول؛ إلى أن وقعت هذه الجريمة المفجعة وغير المعقولة. وكأن استباحة دم أطفال فلسطين على يد الاحتلال الإسرائيلي، لا تكفي.

جريمة الأولاد الثلاثة لم تكن، في غالب الظن، لتقع لو كان تحقق التوافق الوطني الفلسطيني. ولو بحدوده الدنيا. ففي غياب مثل هذه اللحمة يبقى الوضع المأزوم، محكوماً بتفجر تناقضاته الذاتية.

سيما وأنه يعاني من ضغوط الحصار المضروب عليه، فضلا عن تفاقم أزمته السياسية، إذ ذاك لا فرار من الاشتباك مع الذات. الجو المحقون الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة وبوجود السلاح والأمن السائب؛ لا ينتج غير المواجهات المحلية المرشحة، إذا تفاقمت، بالتحول إلى صدامات أهلية أوسع في آخر المطاف، مهما كانت المناعة الفلسطينية قوية.