كنت ضيفا في إحدى الفضائيات العربية وكان انتظار صدور تقرير بيكر هاملتون يشغل المحللين. وبناء على ما كان متاحا من فقرات تسربت من التقرير للإعلام الأميركي فقد توقعت ألا يقبل الرئيس الأميركي إلا الحد الأدنى من توصياته ولم تكن اللعبة امتحانا في التنجيم السياسي بقدر ما كانت اختبارا لمنهج التحليل.

وقد أصبحت المشكلة العراقية درسا حقيقيا لتعلم التحليل السياسي بأرقى أشكاله واختبار المقولات السائدة عن قواعد العلاقات الدولية، وثوابت ومتغيرات العلاقة مع الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي ومآلات مستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة وغيرها من القضايا والأسئلة التي أثارتها الأزمة، فحجمها كبير وخيوطها كثيرة وكثير منها يمتد خارج العراق مكانا وخارج اللحظة الراهنة زمانا.

[مصالح أميركا وحلفائها

خلاصة تقرير بيكر هاملتون بعيدا عن التقييمات التي يراها البعض قاسية والنصائح التي توصف بأنها مستحيلة التطبيق لخصها الدبلوماسي الداهية هنري كيسنجر قبل صدور التقرير بأيام عندما دعا الإدارة الأميركية للرهان على «استبداد عسكري» في العراق يؤمن لأميركا مصالحها وهو ما ترجمته أطراف عديدة عراقية وعربية قلقا معلنا من أن أميركا عادت إلى لعبة التخلي عن «الحلفاء» لأجل الانحياز إلى «المصالح» .

وهو أمر يمكن أن تكون عواقبه وخيمة في المستقبل على مصالح الولايات المتحدة التي ستصبح حليفا لا يثق به أحد. الكاتب والمحلل السياسي الأميركي ماكس بوت أطلق تحذيرا مشفوعا بالوقائع لينبه إلى أن التضحية ستكون بمصداقية أميركا وستجعل أية قوة سياسية تفكر طويلا قبل أن تثق بها، و«بالنظر إلى سجلنا الطويل والمشين الحافل بحوادث التخلي عن أصدقائنا وحلفائنا لا أعتقد أن أي شخص عاقل سيراهن على أميركا.

فقد دأبنا على التنكر لأصدقائنا منذ نزاعاتنا البحرية الأولى ضد «القراصنة» الذين كانوا يجوبون مياه البحر الأبيض المتوسط ويزرعون الرعب في السفن الأميركية. وهكذا قررت حكومة الولايات المتحدة لدحر باشا طرابلس التحالف مع أخيه «حميد القرمانلي» الطامع في الحكم. وفي 1804 قاد المبعوث الأميركي «ويليام إيتون» قوة من المرتزقة والبحرية الأميركية متوجها إلى شمال أفريقيا بهدف وضع «قرمانلي» على العرش.

لكن سرعان ما تم إلغاء المهمة بعدما عقد الرئيس «جيفرسون» اتفاقاً مع باشا طرابلس يطلق بموجبه سراح الرهائن الأميركيين مقابل مبلغ 60 ألف دولار أميركي. وقتها كتب «إيتون»، وهو يتميز من الغضب: «لقد ضحينا بحليفنا من أجل سياسة تنقض الشرف وتترك الإنسانية تنزف».

وقد صاغ بوت تساؤله قائلا: هل أنت مستعد للمجازفة بحياتك لنصرة نظام يعتمد على الدعم الأميركي المستمر؟ وهذه الصورة الذهنية مستقرة بدرجة كبيرة عربيا حتى إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قال لمسؤول دبلوماسي رفيع إن أميركا في النهاية ستفقد صبرها وستتخلى عن كل حلفائها وستتخلى كذلك عن إسرائيل كما فعلت في مرات كثيرة سابقة.

وفي الحقيقة فإن هذا الرهان له في التاريخ الأميركي شواهد كثيرة، فعقب الحرب العالمية الأولى كان الرئيس «ويلسون» المدافع الأول عن «حق تقرير المصير» لكن مع ذلك لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً للدفاع عن تشيكوسلوفكيا وبولندا اللتين احتلتهما ألمانيا النازية.

وتكرر المشهد ذاته خلال الحرب العالمية الثانية عندما وقفت مكتوفة الأيدي إزاء الغزو السوفييتي لأوروبا الشرقية. وقد فاقمت الإدارات المتعاقبة هذه الازدواجية عندما كانت تحث شعوب أوروبا الشرقية على الانعتاق من الهيمنة السوفييتية، لكنها لم تقم بشيء لمساعدة ألمانيا الشرقية في انتفاضة مواطنيها سنة 1953، ولا الهنغاريين سنة 1956، أو التشيك في 1968.

ولا أقصد هنا أنه كان على أميركا التسبب في حرب عالمية ثالثة، إلا أنه على الأقل كان بالإمكان ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية على الاتحاد السوفييتي لتخفيف قبضته على تلك الشعوب.

وحتى مناوئو النظام الكوبي الشيوعي لم يكونوا بأفضل حالا وهم تحت الرعاية الأميركية، ففي 17 أبريل 1961 نزل 1500 من الكوبيين المنفيين في أميركا بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية على سواحل كوبا، لكن معظمهم تعرض للقتل، أو الاعتقال بسبب تدخل الجيش الكوبي ورفض إدارة الرئيس كينيدي استخدام قوة جوية لحماية المتسللين فانتهى بهم الأمر إلى الفشل.

أما في السنوات التالية فقد شنت الولايات المتحدة حرباً شاملة لمنع زحف القوات الشيوعية على جنوب فيتنام، لكن بحلول 1973 ومع التعب من الحرب تركوا الجنوبيين يتدبرون أمرهم وتعرض العديد منهم للقتل والتنكيل.

ثم جاءت حالة شاه إيران الذي تخلت عنه دون أن تمنحه حتى حق اللجوء السياسي. ويظل الأسوأ ما تعرض له الأكراد والشيعة في العراق عام 1991 من طعن في الظهر عندما ناشدهم الرئيس جورج بوش الأب «أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم» للإطاحة بصدام حسين، لكنه ظل يتفرج عندما أقدم رجال الديكتاتور على قتل المنتفضين.

بين الفخ والفرصة

غير أن ما لم يقله بوت هو أن العلاقات بين أميركا وبعض أهم الحكومات العربية التي ارتبطت بها بعلاقة شراكة أصابتها تصدعات ربما كان من المستحيل رأبها في الأفق المنظور وبالتالي فإن مصالحها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم ستصبح في يد «شركاء» متوجسين، فالوجود العسكري الأميركي المباشر في العراق وضغوطها لتدويل أزمة دارفور ومحاصرتها للنظام السوري ودورها المتنامي في لبنان كلها رسائل تحمل معنى واحدا هو أنها تريد تغيير قواعد اللعبة لتصبح قادرة بنفسها على تأمين هذه المصالح بشكل تام بعد أن اعتمدت لعقود على هؤلاء الشركاء لتأمينها.

والقضية هنا ليست مدى عدالة هذه المساعي أو اتفاقها مع نصوص القانون الدولي بل تدارس النتائج التي تترتب عليها، فالتوجه الجديد معناه أن يتوسع الوجود الأميركي المباشر حتى لو مرّ بمرحلة «هدنة» أو «تجميد» لفترة.

وبالتالي فإن أطرافا عديدة تصبح أمام مفترق طرق تاريخي وتصبح احتمالات الصدام أقرب من احتمالات الوفاق وسيكون أي رئيس أميركي قادم مضطرا لقبول الحد الكافي من التغير في نمط السلوك الأميركي الذي يؤمن تبديد مخاوف حلفاء أميركا الجدد:

دعاة الإصلاح السياسي، أكراد العراق وشيعته، تحالف الرابع عشر من آذار في لبنان.... فضلا عن دول عربية لها أهمية استثنائية بالنسبة لأميركا، وبالتالي فإن التراجع بالشكل الدرامي الذي يتخيله البعض ليس الخيار الأقل كلفة بالنسبة للمصالح الأميركية على المدى المتوسط والبعيد، ولا أعتقد أن جمهوريا أو ديمقراطيا يمكن أن تكون لديه شجاعة تحمل مسؤولية ما يترتب عليه. حتى لو كان جيمس بيكر!

[كاتب مصري