العجيب في أمر الدول والحضارات منذ فجر التاريخ، يكمن في اتساق العلاقة التراتبية بين أسباب الانهيار ومآل الدولة أو الحضارة، فإذا ما انهارت دولة أو حضارة بسبب انحرافها عن المنهج الربّاني، اندثرت معها تصوراتها ومفاهيمها ومظاهرها الفكرية والأخلاقية والعمرانية.

وكان سقوطها انتهاء لدورها في قيادة البشرية فلا تقوم لها قائمة بعد ذلك أبدا، بل تصير خبرا بعد عين، وتبقى أنقاضها وآثارها شاهدة للآتين من ورائهم على أن المواجهة مع الله هي مواجهة خاسرة ومحسومة النتيجة من قبل أن يبدأ التحضير لها في مفارقة مثيرة للرثاء، فالمخلوق الضعيف العاجز بطبيعته يوقد فتيل حرب ليس لها إلا خيار وحيد، وتكتيكاته وقدراته القتالية إنما هي مستمدة من خصمه وخالقه العزيز القوي بذاته، ومع ذلك يخوضها متجاهلا ما بينه وبين الله من الفوارق اللامتناهية في موازين القوة والقهر.

إلا أن قراءة متأملة بين سطور الحضارة الأميركية باعتبارها النموذج المتكامل للحضارة البشرية المعاصرة، تجعلنا نلمح في ثناياها نقاط التقاء أو ربما تطابق بينها وبين الحضارة الفرعونية، وإن كانت هذه النقاط ومظاهر الإعجاب الأميركي بالحضارة الفرعونية خفيّة أو لا تثير الانتباه فيما مضى، إلا أن الحقبة «البوشية» بقيادة من جوقة المحافظين الجدد قد أماطت اللثام بما لا يدع مجالا للظنون والأوهام عن أن هذه الجمهورية وفي مطلع الألفية الثالثة، تتقمص روح الحضارة الفرعونية التي بادت قبل حوالي ثلاثة آلاف عام، وتعيد بناء مجدها وتكاد تجسد المفاهيم والقيم التي قامت عليها ولكن في قوالب مختلفة لاختلاف الزمان والمكان.

في الحقيقة لم أجد مصدرا موثوقا اعتمد عليه لمعرفة الواقع الحضاري والقيمي الذي قامت عليه الحضارة الفرعونية غير القرآن الكريم، ولم أتطرق هنا - مراعاة لمحدودية مساحة الكتابة - إلا لنقاط الالتقاء الأساسية بين الحضارتين دون التفاصيل الصغيرة على كثرتها وأهميتها، فموضوع كهذا يحتاج إلى أطروحة علمية. أولى نقاط الالتقاء بين الحضارتين الفرعونية والأميركية تظهر في البناء العقدي للحضارة، فقد قامت الحضارة الفرعونية على إنكار وجود الله الذي جسّده تساؤل فرعون الاستنكاري:

«وما رب العالمين» (الآية 23، سورة الشعراء)، وبالتبعية أنكر رسالة الله فكذّب نبوة موسى عليه السلام بقوله: «.. وإني لأظنه من الكاذبين» (الآية 38، سورة القصص)؛ ولقد كان إنكار فرعون لوجود الله توطئة لكي يدعي الألوهية لنفسه: (فقال أنا ربكم الأعلى) (الآية 24، سورة النازعات). والحضارة الأميركية تنكر وجود الله أيضا .

ولكن بشكل مختلف، فالله عندها لا يملك العلم المطلق ولا القدرة المطلقة والحاكمية ليست له وحده، بل إنها لا تجد غضاضة من أن تصرف ذلك كله لأوثان الليبرالية والرأسمالية والديمقراطية والعلمانية، بل ربما شطحت أحيانا لتنكر وجود الله تماما بصفته التي أخبرنا بها في الكتب السماوية لتفتح المجال لنفسها بذلك للتصرف كإله، وهذا واضح في فرضها الأمر الواقع على البشر وإطلاقها الأحكام النهائية التي لا تترك خطوطا للرجعة من أمثال قول جورج بوش:

«من ليس معنا فهو ضدنا»، وأيضا بزعمها معرفة ما تضمر النفوس من الخير أو الشر مع أن هذا غيب لا يعلمه إلا الله، لكن أميركا لا تتحرج من ادعائه وتصنيف الناس تبعا لذلك إلى أخيار أو أشرار بل وجعله ذريعة لإشعال الحروب واختلاق التوترات، أما نهاية المطاف في ادعاء الألوهية فيتجلى في تبشير أميركا أو بالأصح فرضها على العالم دينا جديدا ذا ثلاثة أقانيم هي العولمة والديمقراطية والثقافة الغربية.

نقطة الالتقاء الثانية في التكوين السياسي، فالمؤسسة السياسية الأميركية من حيث الهيكلية تكاد أن تكون صورة كربونية عن المؤسسة السياسية الفرعونية، فالفرعون يقابله رئيس الجمهورية، ثم الوزير هامان يقابله مجلس الوزراء، والجنود تقابلهم المؤسسة العسكرية، وأما الملأ فيقابلهم ممثلو الأمة أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ، أما من حيث الإدارة السياسية فإن فرعون كان يستغل أساليب متنوعة لكسب تأييد الجماهير وتقوية جبهته الداخلية بنفخ مشاعر الاستعلاء فيهم على بقية الأمم، يقول تعالى:

«.. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ» (الآية 46، سورة المؤمنون)، ومع ذلك كان متسلطا لا يقيم لآرائهم وزنا فيخاطبهم بقوله: «.. ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» (الآية 29، سورة غافر) بل إنه كان يضمر الاستخفاف بمداركهم وأفهامهم كما أخبر عنه تعالى:

«فاستخف قومه فأطاعوه» (الآية 54، سورة الزخرف). أما كيف تلتف الجماهير الأميركية حول نظامها فأيضا بازدراء بقية الأمم والشعوب والتعالي عليهم، مع أن الشعب والرأي العام الأميركيين ليس لهما مشاركة حقيقية في اتخاذ القرارات المصيرية، وممثل الأمة (الكونغرس) مسيّر من قبل المؤسسة العسكرية، ومع ذلك تستخف الحكومة الأميركية بشعبها بأن تكذب عليه وتزيّف له الحقائق لتمرير أخطائها ومآربها من مثل قول رئيسها: «إن أميركا ستنقذ العالم من خلال نشر السلام ومبادئ الديمقراطية»، وقوله: «إن المسلمين مجرد إرهابيين فاشيين حاقدين على الحضارة الغربية، وأنهم مصدر خطر على أميركا».

نقطة الالتقاء الثالثة في التصور الحضاري، فهذا التصور مبني في الحضارة الفرعونية على تسخير التفوق العلمي من أجل التقدم العمراني وبناء القوة الاقتصادية وتركيز الثروة بيد النخبة المترفة، وفي هذا يقول الله تعالى على لسان موسى مخاطبا الله: «ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا..» (الآية 88، سورة يونس)، ومن هنا استعبد فرعون بني إسرائيل لامتلاكهم المعرفة واليد العاملة التي تساعده على تحويل ذلك التصور إلى واقع.

وها هي أميركا تقتفي خطى الفراعنة فتبني تصورها الحضاري أيضا على تسخير التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي الذي لم يجن كوكبنا الجميل منه إلا التدمير والويلات بظاهرة الاحتباس الحراري (الاحترار) والنينو والأمطار الحمضية، وبابتداع الاستنساخ والهندسة الجينية والقنبلة النووية، وبناء القوة الاقتصادية حتى إن أسواقها وعملتها هي التي تمسك بخطام اقتصاد العالم وحتى أصبح أثرياؤها هم أغنى أغنياء العالم.

وأما عبيدها الذين سخّرتهم لإعمارها وبناء منجزاتها الحضارية فليس السود كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، بل جحافل العقول والأدمغة المهاجرة التي كانت وما زالت تستنزفها من شرايين بقية الأمم، ولأن حضارتها مادية لا مكان فيها للأخلاق، فهذا ما يجعلها كالحضارة الفرعونية عمياء مطفأة البصيرة لا روح لها، وليس لمسارها خط مستقيم بل تسير في خط كثير الانحناءات، لأن ما يهمها هو بقاء حراكها وليس الوجهة التي تتحرك صوبها.

نقطة الالتقاء الرابعة في استراتيجية العلاقات الدولية، إذ اعتمدت هذه الاستراتيجية عند فرعون على القوة العسكرية الباطشة وليس على التعاون، حتى أن الله اعتبر القوة التي بناها فرعون كإحدى أقوى قوتين عسكريتين غاشمتين ظهرتا في التاريخ، فقال سبحانه: «هل أتاك حديث الجنود، فرعون وثمود» (الآية 54، سورة البروج).

وهكذا المؤسسة السياسية الأميركية هي مؤسسة بوليسية تسير على نفس المنوال، فالمصالح العسكرية هي التي تحدد المصالح السياسية والاقتصادية وليس العكس، وقيادة الدولة بيد العسكر، وموارد الدولة وتقدمها العلمي والتقني كلها مسخّرة لتطوير الآلة العسكرية أولا، وبهذا تمكنت أميركا من بناء أعتى قوة عسكرية في العصر الحديث، فجيوشها وعتادها تملأ البر والبحر والجو بل والفضاء الخارجي، وتتفوق ترسانتها على ترسانات أقوى خمس دول تليها في الترتيب، وإنفاقها السنوي على التسلح يفوق مجموع ما ينفقه العالم مجتمعا.

وأما كونها قوة غاشمة وعدوانية فهذا ما تشهد به المعاهدات الدولية بدءا من ميثاق الأمم المتحدة وانتهاء باتفاقية كيوتو، ويشهد به ما تبنته من استراتيجيات بدءا من الحرب الباردة إلى الذراع الطويلة إلى الفوضى الخلاقة إلى غيرها مما تتخذه ذريعة للاعتداء والطغيان، تماما كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن فرعون: «الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد» (الآيتان 11 و12، سورة الفجر).

نقطة الالتقاء الخامسة في استشراء الفساد الاجتماعي، ففرعون كان يكرس الفساد في المجتمع المصري لإلهائه عما يقترف هو وزمرته الحاكمة، وكان السحرة والمشعوذون والدجالون بعضا من أدواته التي استخدمها. كما تكرس أميركا اليوم الفساد في المجتمع الأميركي باستخدام الرياضة والجريمة المنظمة والإعلام الاستهلاكي والترفيه ولاسيما نشر الشذوذ والإباحية والمتاجرة بالمرأة، أما المتدينون منهم فتغسل أدمغتهم بتُرّهات الدجالين من الأصوليين الإنجيليين والصهاينة المتعصبين، كل ذلك من أجل خداع العامة وإلهائهم وإسكاتهم عن مشهد اليد الأميركية الملوثة بدماء الأبرياء وبما سرقت من قوت يومهم.

أما الخصوم والمعارضون الذين يحاولون الخروج من قوقعته فقد كان فرعون يحاربهم نفسيا برميهم بالكذب والجنون والفقر كما اتهم موسى عليه السلام زورا، أو أن يقدم على تصفيتهم جسديا كما صنع مع السحرة الذين أعلنوا إيمانهم بالله بأن صلبهم على جذوع النخل، أو أن يزج بهم في غياهب السجون، كما هدد موسى: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين» (الآية 29، سورة الشعراء).

وهو الشيء نفسه الذي تفعله أميركا اليوم فتحارب خصومها أيا كانوا نفسيا بنعتهم بالتخلف الحضاري والإرهاب والفاشية قبل تصفيتهم جسديا بالاغتيال، أو تستضيفهم سجونها ومعتقلاتها التي منحت أميركا لقب أكبر سجانة ربما في تاريخ البشرية بلا منازع، فخلف قضبان سجونها يقبع اليوم أكثر من مليونين ومئتي ألف سجين، وأما فضائح سجونها الخارجية في غوانتانامو وأبوغريب والسجون السرية في أوروبا فأشهر من أن تذكر.

نقطة الالتقاء السادسة في تسخير الآلة الإعلامية المتفوقة، فقد كان لفرعون صوت (إعلام) يعيد هندسة مفاهيم الناس وقناعاتهم ويلغي عقولهم ليحركهم كقطعان المواشي، وهذا مفهوم من قول الله تعالى:

«فحشر فنادى» (الآية 23، سورة النازعات). وأميركا تنتهج نفس الطريق في العصر الحديث بفضل آلتها الإعلامية الجبارة وصناعة السينما والنشر التي تبث هوسها الفكري وغثاء خيالها المغرق في الخرافة وقيمها المبرمجة لخدمة أهدافها الإمبريالية وأهداف الماسونية والصهيونية العالمية، فتوحي للناس بما تشاء من الآراء والتصورات والمفاهيم والمواقف لتحول العقلاء إلى رعاع وغوغاء، وتفرض بذلك على الشعب الأميركي طوقا من الوصاية الفكرية والتعتيم الإعلامي.

ماذا يعني كل هذا الكلام؟ إنه يعني الكثير الكثير، وأساسا يعني أن هناك نقطة التقاء آتية من مجاهل الغيب سيتقاطع عندها مصير الحضارة الأميركية مع الحضارة الفرعونية، ولكن كيف سيبدأ سيناريو نهاية الحقبة الأميركية؟

بالتأكيد على خلاف ما تصوره فوكوياما، فمع تعاقب الأحداث القادمة على عكس ما تشتهي السفن الأميركية، ستزداد أميركا - التي لم تتألم بما فيه الكفاية من أصابعها التي أحرقتها مناطق الصراع المشتعلة في العالم - تماديا في غطرستها وعجرفتها، وستجعل مواجهتها مع الله ووقاحتها عليه مكشوفة وأشد ضراوة مما كانت عليه، وستتخطى في ذلك كل الخطوط الحمراء، وسيدفعها الغرور إلى أن تغادر عرينها من أجل هذه المواجهة لتصبح أقرب ما تكون من بؤر الصراع.

كما صنع فرعون وهو يطارد موسى عليه السلام، وهنا ستأتيها الضربة القاصمة، فعلى شاكلة القوة العسكرية الفرعونية التي أبيدت بالغرق بكاملها، كما في قول الله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم..) (الآية 40، سورة القصص) ستبتلع لجج البحار والمحيطات أساطيل القوة العسكرية الأميركية، وسيرتجّ العالم على دوي تهاوي نظامها الحاكم، وعلى شاكلة تصدع مظاهر التطور الحضاري وانهيارها كما في قوله سبحانه:

«ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون» (الآية 137، سورة الأعراف) قد تمنى أميركا بالتزامن بكارثة طبيعية أو بهجوم نووي، وعلى شاكلة أرض مصر التي ورثها قوم آخرون، كما في قوله تعالى: «فأخرجناهم من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، كذلك وأورثناها بني إسرائيل» (الآيات 57-59، سورة الشعراء) ستعود الأرض الأميركية بعد انقشاع غبار الانهيار لسكانها الأصليين وللعقول التي استعبدتها أميركا.

هل هذا خيال لا تؤيده معطيات الواقع؟ ربما ولكنه يجد الكثير مما يؤيده من عبر الماضي ودروس التاريخ ونواميس الله الذي تنكر أميركا وجوده، إذن كيف سيصبح شكل العالم بعد ذلك؟ هذا ما سنحاول استشفافه في مقالة قادمة..

كاتب إماراتي