لو كانت العملية الانتخابية النيابية التي اكتسحتها حركة «حماس» في يناير مشكوكاً في نزاهتها وصحتها لكان قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن بالدعوة إلى عملية انتخابية جديدة مفهوما ومشروعاً. لكن أبو مازن وجهازه وفصيل فتح الذي يتزعمه كانوا في طليعة من أقروا بحرية الانتخابات ونتائجها.
ويكون قرار الرئيس الفلسطيني أيضا مفهوما ومشروعا وصائبا لو كانت الحالة الفلسطينية كالحالة اللبنانية. فبينما ترتاب المعارضة اللبنانية في مسار العملية الانتخابية اللبنانية ونتائجها فإن العالم بأسره ـ بما في ذلك الأميركيون والإسرائيليون والاتحاد الأوروبي ومؤسسة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر بالإضافة إلى فتح والسلطة ـ شهدوا على نزاهة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.
الرئيس أبو مازن يبرر قراره بأن العملية التفاوضية بين فتح وحماس لإنشاء حكومة وحدة وطنية وصلت أخيراً إلى طريق مسدود مما يتطلب الرجوع إلى جمهور الناخبين الفلسطينيين، هذا تبرير صواب من حيث المبدأ، لكنه خاطئ من حيث الأسلوب.
عمر المجلس التشريعي لم يبلغ بعد عامه الأول ، وكذلك الحكومة التي انبثقت عنه. فهل كلما وقع خلاف بين المعارضة والحكومة حول قضية محددة تجرى انتخابات عامة جديدة بفوارق زمنية بسيطة؟
في مثل هذه الحالة ينحصر الأمر في القضية الخلافية المحددة فقط.. بمعنى أن الرجوع إلى جمهور الناخبين في هذه الحالة يتخذ فقط شكل استفتاء.
والقضية المطروحة الآن ليست تشكيل حكومة وحدة وطنية ـ هذا هو الشكل الخارجي للمسألة ـ وإنما هي شروط إقامة هذه الحكومة. هنا.. وهنا فقط موضع الخلاف الجذري بين فتح وحماس.
والمسألة الجوهرية التي تنطلق منها هذه الشروط هي مسألة الاعتراف بإسرائيل الذي تتبناه فتح في الداخل نيابة عن الولايات المتحدة والدولة اليهودية في الخارج.
ومن هنا يكون السؤال المصيري المطروح هو: هل يوافق الشعب الفلسطيني من خلال صندوق الاقتراع على اعتراف فلسطيني بإسرائيل أم يعارض؟
ولمعرفة الإجابة الشعبية فإن المسألة ليست بحاجة أطلاقا إلى ترتيب عملية انتخابية لمجلس تشريعي جديد وإنما تتلخص المسألة في مجرد استفتاء عام، فإذا أجاب جمهور الناخبين الفلسطينيين بالموافقة على الاعتراف فإنه سيتعين على حكومة حماس في هذه الحالة إما تبني هذه الرغبة الشعبية مما يزيل سبب الخلاف الجوهري بينها وبين فتح أو الاستقالة من الحكم، مما يفتح الباب لإجراء انتخابات نيابية جديدة، أما إذا أجاب الجمهور الفلسطيني برفض الاعتراف بإسرائيل فإنه يتعين على قيادة فتح أن تحترم رأي الشعب فتلتقي مع حماس في مشروع تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس إلغاء اعترافها بإسرائيل. أو تغادر المسرح السياسي.
لكن الخشية كل الخشية هي أن يكون ارتهان قيادة فتح والسلطة الفلسطينية إلى الأجندة الأميركية الإسرائيلية له الأولوية العليا على ولائها لشعبها.