يحكي علماء السلوك الذين يعكفون على تطوير كل ما يتعلق بسلوك الأطفال في المدارس وبطريقة تفاعلهم مع العملية التعليمية حكايتين متناقضتين يمكن أن تستخدما في كل زمان ومكان للتدليل على ما يرتكبه نظام التعليم من مآسٍ وأخطاء في حق الأطفال دون أي إحساس بعظم هذه الأخطاء وبمدى انعكاساتها عليهم بشكل عام.
الحكاية الأولى: قام صبي صغير في مدرسة كان يديرها معهد ماساشوستس للتكنولوجيا كجزء من مختبر الوسائل الإعلامية، بتصميم إنسان آلي (روبوت) غير عادي فقد أخذ الصبي بعض القطع البلاستيكية وقام بتركيبها وربطها بشريط مطاطي ووضع محركاً صغيراً على قمة هذه القطع، وقام بتشغيله بواسطة الكمبيوتر تحت إشراف المدربين بالطبع، ولاحظ أن القطع المركبة تهتز، ثم أخذ يضيف ويغير في اختراعه ذلك أحياناً بشكل واعٍ وأحياناً بطريقة عفوية حتى صمم في النهاية برنامجاً بسيطا لإنسانه الآلي .. لكنه كان رائعاً بالفعل!!
الحكاية الثانية: قام صبي بإحضار كراسة الواجب التي كلفه بها معلمه في اليوم السابق، لكن الكراسة كانت ملونة بالحبر الأسود، وبشكل كامل، ما حدث أن قلم الحبر قد انفتح في حقيبته دون أن يعلم وانسكب الحبر على معظم دفاتره وأدواته المدرسية، كان الصبي متفوقاً في هذه المادة تحديداً، لكن ردة فعل المعلم كانت مدمرة ـ لقد مزق الكراسة أمام طلاب الفصل وألقى بها في صندوق القمامة، وصفع الصبي على وجهه، وأمره بأن يقف ووجهه إلى القمامة، ومنذ تلك الحادثة لم يتمكن الصبي أن يعبر هذه المادة في كل سنوات دراسته الباقية إلا عبر امتحانات الدور الثاني!!
الصبي الأول فاجأ زملاءه باختراعه، كما فاجأ المعلمين، أما النقطة الأساسية في قصته فتتعلق بالجانب الذي لم نذكره، لقد كان الصبي مصنفاً في المدرسة على أنه طفل يعاني من صعوبات في التعلم، ولم يقم قبل ذلك بعمل أي شيء مثير للاهتمام في المدرسة، لكنه حين اكتسب قدراً كبيراً من الاحترام الذاتي من زملائه في الصف المدرسي وحظي باهتمام فريق تدريب معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، وكذلك اهتمام معلميه، صعد الصبي ليحتل المرتبة الأولى في صفه عندما تخرج في الصف السادس!!
المدرسة الابتدائية هي الأساس ولذلك يسمى التعليم فيها بالتعليم الأساسي، لكن الاسم وحده لا يكفي، وسوء معاملة الطفل وإهانة كرامته وضربه وعدم احترامه بالشكل الكبير لا يجب أن ينظر إليه باستهانة وبأن هذا طفل ولا يعرف أبعاد الاحترام، العكس صحيح، أن احترامه وتقديره ومنحه الثقة بالنفس وتشجيعه هي ما ستدفعه لحب العلم والمعلم والمدرسة، وإذا أردنا اليوم أن نجري جردة حساب بسيطة لآلاف من الطلاب الذين تركوا مدارسهم فإن علينا أن نعرف كيف كان المعلمون يعاملونهم في الفصل دون أي رقابة من أحد.