لم تحظ التغيرات الحاصلة في إدارة الرئيس بوش، وتاليا لذلك التغيرات المحتملة في السياسة التي تنتهجها هذه الإدارة، بالرضا والارتياح في الأوساط الإسرائيلية الحاكمة، إذ كان استقال من هذه الإدارة عتاة المتحمسين لإسرائيل، من مثل دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع)، وجون بولتون (السفير في الأمم المتحدة)، ومن قبلهما كان خرج من هذه الإدارة بول وولفيتز (نائب وزير الدفاع)، ودوغلاس فايث (وكيل وزارة الدفاع) وريتشارد بيرل رئيس لجنة سياسات الدفاع في البنتاغون.
وكما هو معلوم فإن هؤلاء كلهم من زعماء تيار «المحافظين الجدد»، وكانوا قادوا توجهات هذه الإدارة باتجاه تبني سياسات إمبراطورية أحادية، ضمنها سياسة «الحرب الوقائية»، التي أدت إلى احتلال أفغانستان والعراق والتورط فيهما، وسياسة التدخلات الخارجية، بدعوى «نشر الديمقراطية» ومكافحة الإرهاب، كما سياسة الانصراف عن السعي لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وفي كل الأحوال فقد أدت هذه السياسات إلى تراجع شعبية الرئيس بوش، في الولايات المتحدة، وإلى تضارب السياسات الأميركية ـ الأوروبية، ومن ثم فقد أدت إلى تضاؤل نفوذ الحزب الجمهوري (لصالح الحزب الديمقراطي)، في الكونغرس الأميركي (بمجلسيه النواب والشيوخ)، كما قادت إلى مزيد من الضغوط على هذه الإدارة، لتغيير سياساتها الخارجية، خصوصا على خلفية الإخفاق الحاصل إزاء التعامل مع قضايا الشرق الأوسط.
في هذا الإطار من التفاعلات الأميركية الداخلية والخارجية جاء تقرير لجنة بيكر ـ هاميلتون، الذي حثّ الإدارة الأميركية على إدخال تغييرات أساسية في سياساتها في العراق خصوصا، وفي الشرق الأوسط عموما، وقبل أن ينفد الوقت.
وقد انطلق هذا التقرير من فرضيات عامة ينبغي الأخذ بها، من ضمنها:
1) عدم الانسحاب الفوري من العراق، مع نقل صلاحيات الأمن (وصلاحيات سيادية أخرى) للحكومة العراقية.
2) التأكيد على عدم الإبقاء على قوات أميركية في العراق مستقبلا، إلا بموافقة الحكومة العراقية؛
3) الحفاظ على وحدة أراضي العراق وعدم الموافقة على تقسيمه.
4) ضرورة إشراك جيران العراق، وضمنهم سوريا وإيران، في الجهود اللازمة لتحقيق الأمن والاستقرار فيه، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح هذه الدول ومدى مساهماتها؛
5) معاودة التزام الولايات المتحدة بتحقيق تسوية سلمية شاملة بين العرب والإسرائيليين على كافة الجبهات، وخصوصا الجبهتين الفلسطينية والسورية.
بديهي أن ثمة نقاطا عديدة في هذه التوجهات لا تلق رضا وارتياحا في إسرائيل، من النواحي التالية:
أولاـ كونها تأتي بمثابة اعتراف أميركي واضح بالإخفاق، كما وبمثابة تمهيد لإعلان انسحاب أميركي من «مستنقع» العراق، وربما من «مستنقعات» الشرق الأوسط (على ما رجّح ريتشارد هاس)، مع ما لكل ذلك من تداعيات، أو عواقب، سياسية وأمنية خطيرة على إسرائيل، إن بالنسبة لانسداد أفق انتهاجها القوة العسكرية لفرض إملاءاتها السياسية، في المنطقة، أو بالنسبة لاحتمال تضاؤل تمتّعها بدعم مطلق من قبل الولايات المتحدة في المنطقة، بعد أن باتت الولايات المتحدة بحاجة لثمن ما تقدمه لحلفائها، من الدول العربية «المعتدلة»، في المنطقة، وعلى حساب إسرائيل.
ثانياـ إن الأخذ بتوجهات لجنة بيكر ـ هاميلتون، الذي يتضمن الربط بين الإخفاق الحاصل في العراق وعدم حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يعني فيما يعنيه الضغط على إسرائيل لفتح ملف التسوية على كافة الجبهات، وخصوصا لجهة وضع حل الدولتين موضع التطبيق (على أساس قرار مجلس الأمن 242)، ولجهة الانسحاب من الجولان السورية؛ وهو ما تبدو إسرائيل غير مؤهلة له حاليا، على الأقل.
ثالثاـ إن هذه التوجهات تدفع نحو الاعتراف بإيران في المعادلات الدولية والإقليمية، بدل نبذها وعزلها، ما يمكن أن يشجعها على المضي في برنامجها النووي، وتعزيز دورها الإقليمي، ما يشكل قلقا كبيرا لإسرائيل.
رابعا ـ على الرغم من أن الوضع الحالي المضطرب في العراق، يقلق حتى دولة مثل إسرائيل، إلا أن هذه الأخيرة لا تريد أن ترى في العراق المستقبلي، دولة موحدة ومستقرة وقوية، لأن ذلك لا يخدم سياساتها ومصالحها الإقليمية.
ومشكلة إسرائيل اليوم تبدو كبيرة، وصعبة جدا، مع هذه التوجهات السياسية المفترضة أو المحتملة في سياسة الإدارة الأميركية؛ إزاء الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة باتت تدفع ثمنا كبيرا في العراق، ماديا وبشريا، وثمة إخفاق سياسي وأمني لمشروعها «العراقي»، كما لمشروع «نشر الديمقراطية»، ومكافحة الإرهاب، و«الشرق الأوسط الكبير»، هذا أولا؛ ثانيا إن بريطانيا، وتاليا لذلك أوروبا، تضع ثقلها كله وراء مثل هذه التوجهات،
علما أن توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، يضع ثقله وراء عقد مؤتمر مدريد 2، وثمة مبادرة ثلاثية (فرنسية ـ إيطالية ـ أسبانية) لعقد مثل هذا المؤتمر، لإيجاد حل شامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ثالثا أن إسرائيل خارجة للتو من حرب كبيرة (حرب يوليو ضد لبنان)، أدت (داخليا وخارجيا) إلى تقويض قوتها الردعية، وإلى تأكل صورتها كدولة قوية، وإلى انكشاف سياساتها العدوانية التدميرية،
كما كان لهذه الحرب تداعيات داخلية ضمنها ضعف الاستقرار السياسي الداخلي، وانحسار قوة الائتلاف الحاكم (كديما والعمل)، وغياب أجندة سياسية، أو عسكرية، خارجية للتعامل مع ملفات عملية التسوية، أو مع إيران، مثلا.
رابعاـ إن الوضع المتشكل في المنطقة، على خلفية السياسات الأميركية والإسرائيلية المتعنتة، يفتح المجال أمام تزايد نفوذ قوى الإسلام السياسي، وضمنها قوى مثل «حماس» في فلسطين، و«حزب الله» في لبنان، إضافة إلى تنامي نفوذ القوى الإسلامية المتطرفة، وذلك على حساب القوى المعتدلة في المنطقة، وهو ما يعقّد الوضع أمام إسرائيل، ويضغط عليها لإيجاد مخارج مرنة من هذا الوضع (المأزق)، برغم أوضاعها غير المواتية.
على ذلك فقد كان من الطبيعي أن يبدي أيهود اولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، تحفظه على نقاط عديدة في التقرير، وخصوصا لجهة الربط بين قضيتي العراق وفلسطين، وفتح الحوار مع سوريا وإيران. وكان أولمرت، حاول استباق هذه التطورات، حين عرض على الرئيس بوش (مؤخرا) بلورة محور إقليمي مع الدول العربية المعتدلة، في مواجهة إيران والقوى «المتطرفة» في المنطقة، كما أبدى استعداده لحث انسحاب «انطواء» جديد في الضفة الغربية، بالتوافق مع الفلسطينيين، أو على أسس المبادرة العربية.
في هذا الإطار، مثلا، كشف ناحوم برنياع عن هواجس إسرائيل إزاء لجنة بيكر ـ هاميلتون بقوله: «قائمة الأشخاص الذين تشاورت معهم لجنة بيكر وهاملتون طويلة مثل سجل أرقام الهواتف..في هذه القائمة إسرائيلي واحد هو نائب وزير الدفاع افرايم سنيه..هذه الحكاية تشير إلى أي مدى كان الموقع الذي احتلته إسرائيل في عقول مُعدي التقرير هامشيا..
إسرائيل استمتعت في اهتمام دافئ ودلال مفرط طوال 14 عاما في ظل كلينتون وبوش. الآن، على خلفية الكارثة في العراق، يسعى بيكر وهاملتون إلى إعادتنا إلى حجمنا النسبي الطبيعي..العرب يضغطون وأميركا مضغوطة وإسرائيل مطالبة بدفع الثمن». (يديعوت 8/12) وكتب اورلي أزولاي، تحت عنوان لافت هو: «الجولان مقابل العراق»، التالي: «تقرير لجنة بيكر - هاملتون التي عينها الرئيس الأميركي يقضي بأن على إسرائيل أن تنسحب من هضبة الجولان وتبحث مع الفلسطينيين في عناصر التسوية الدائمة.
كاتب فلسطيني