ذات مرة قال الروائي الإنجليزي جراهام جرين «أفضل أن أخون بلادي ولا أخون أصدقائي»، أما مواطنته الروائية ورائدة الحركة النسائية فرجينا وولف فوسعت من هذه الرؤية حين قالت «إنني كامرأة ليس لي وطن». والأول كان يعبر عن ولائه للمتطابقين معه في الأفكار عبر العالم، والثانية كانت تعبر عن «النسوية» في بعدها الأممي كأيديولوجيا جديدة.

في كل الأحوال يكون الفرد مخيرا بين ثلاث جهات يمنحها ولاءه الأساسي، الأولى الدولة الوطنية، والثاني هي الأمة وبعض الجماعات والكيانات التي تتجاوزها والمرتبطة بالدين والطبقة والتحيز الأيديولوجي. والثالثة هي التجمعات الأصغر من الدولة مثل العائلة والقبيلة والطائفة والمؤسسة ... الخ. ومعظم الأفراد يدينون بشكل من أشكال الولاء للجهات الثلاث معا، ويسعون إلى إيجاد طريقة للجمع بينها، وإدارة أي اختلافات أو خلافات قد تنشب بينها، والتقليل من حجم التوتر الناجم عنها، والذي يتواجد دوما.

إن قيمة الولاء من العوامل الأصيلة التي تزكي الاستقرار، وتدعم أركانه، عبر مساهمتها في كسب رضاء الجماهير الغفيرة، ودفعها إلى الالتفاف حول المصلحة الوطنية العليا. ومن ثم فإن النظم المستبدة، المحافظ منها والثوري، وكذلك النظم الديمقراطية، تهتم بقضية الولاء.

ففي الدول التي تحتكر مجموعة محددة السلطة ويقل فيها معدل دوران النخبة السياسية أو تلك التي تفتقد إلى تداول السلطة بشكل منظم ومحدد بناء على إجراءات متفق عليها نابعة عن عقد اجتماعي عادل مبرم بين السلطة والجماهير، يصبح الاستقرار بمعنى «تكريس الوضع القائم» هو الهدف الأساسي للسلطة الحاكمة، فتحاول عبر آلتها الدعائية أن تقدمه على أنه غاية في حد ذاته.

والنظم الثورية تحتاج إلى الولاء لتجنيد الناس وتعبئتهم خلف مواقفها الرامية إلى إحداث تغييرات جذرية في بعض المجالات. أما الدول الديمقراطية فهي تحتاج الولاء لحشد الناس وراء مشروعات التنمية الاقتصادية والسياسية، وإعلاء حقوق المواطنة. وجميع النظم تحتاج إلى ولاء شعوبها أيام الأزمات الداخلية والخارجية.

وداخل الدولة الواحدة لا يسير الولاء في اتجاه واحد، أو يذهب إلى جهة واحدة، إذ لا يتفق المواطنون كافة على الإخلاص لرمز أو قيمة أو فكرة أو أيديولوجيا واحدة، وإنما تتعدد الانتماءات، وتتشابك الولاءات، ويصبح لدينا نسيج عريض من التحيزات العاطفية والمعرفية داخل حدود الدولة الواحدة، وفي ربوع المجتمع الواحد.

ورغم أن هذا الافتراض يقوم على مقولة أو حكمة عامة تصل إلى حد أن تكون مذهبا بل ترقى إلى مستوى القاعدة المسلم بها وهي أن «الاختلاف سنة الحياة» فإن هناك أسبابا كثيرة تؤدي إلى تباين الولاءات بين الناس، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تعدد ركائز القوة وانتشارها، وتنوع الأفكار واختلاف البيئات النفسية والاجتماعية للأفراد.

فالقوة المادية والمعنوية لا تتركز في فرد واحد أو مجموعة واحدة، وإنما تنتشر بين أفراد عدة ومجموعات عديدة، فهذا يستمد قوته من منصب سياسي يتبوأه، وهذا يستند في نفوذه إلى صيت أو سمعة طيبة، وذلك يمتلك ثروة طائلة، تجعله قادرا على التأثير الاجتماعي، أو يحمل في عقله معرفة دينية أو دنيوية تجلب له المكانة الاجتماعية.

والأفكار ليست نمطا واحدا، وإنما ألوان عديدة. فبالنسبة للنوع هناك التقليدي والتحديثي. وبالنسبة للاتجاه نجد اليميني واليساري ومن يقف في المنتصف أو متبع «الطريق الثالث». وبالنسبة للتصنيف القيمي هناك المتطرف والمعتدل. ويندرج هذا جميعا تحت مسميات ثقافية عامة، مثل ديني وعلماني، كما يختلف الأفراد من حيث البيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها، فهناك الريفي وهناك الحضري. ومن حيث التصنيف الطبقي نجد الناس تتفاوت بين الفقر المدقع والثراء الفاحش، وهما طرفان متناقضان بينهما عشرات المستويات التي تظهر إلى حد بعيد مدى تعقد الوضع الطبقي، إذا ما تم تحديده على أساس الدخل.

وهذا التفاوت والتشابك يؤدي في النهاية إلى تعدد التحيزات العقلية، والميول النفسية للأفراد لتباين خلفياتهم من جهة، وتعارض مصالحهم من جهة ثانية، ومن ثم تتعدد ولاءاتهم. وقد يبدو ذلك في نظر البعض طريقا للتفسخ والتضارب بين مختلف الشرائح الاجتماعية، ما يسبب قلاقل متوالية للنظام السياسي. لكن النظرة المتأنية يمكن أن تقود إلى رأي يتناقض مع هذا إلى حد بعيد.

فاختلاف الولاءات، إن كان يتم تحت راية إطار عام أو أرضية مشتركة، يؤدي إلى تفاعل قوى المجتمع مع بعضها البعض، بشكل أفقي، بحيث يتكفل كل منها بالآخر، ما يقلل من إمكانية أن تسير الإرادة المجتمعية بشكل رأسي لإزاحة السلطة الحاكمة. وحين تفشل هذه السلطة في الحفاظ على ذلك التوازن يحدث الانقطاع الحاد للرحلة الطبيعية للمجتمع، كأن تقوم ثورة أو يقع تمرد أو انقلاب، أو تسقط البلد في حرب أهلية.

في ضوء هذه الرؤية العامة يمكن تحليل الأزمة اللبنانية الراهنة، وإرجاعها إلى عواملها الأولية. فنحن أمام تقاطع للولاءات الطائفية والسياسية، في تنافس محموم أو صراع مزدوج حول القيم والمصالح. فمن قبل كانت الأنشطة السياسية اللبنانية تتمحور حول الطائفة، التي قد يقود الولاء لها إلى ارتباط خارجي، لإيران بالنسبة للشيعة، وللغرب بالنسبة للموارنة، وللعالم الإسلامي السني بالنسبة للطائفة السنية، ولأنفسهم ولمشاركيهم في الاعتقاد بالنسبة للدروز.

أما اليوم فإن الولاء للطائفة جاوره ولاء لتيار سياسي، فوجدنا تيار 8 آذار يقوم على تحالف بين حزب الله وحركة أمل الشيعيتين و«التيار الوطني الحر» الماروني، وبعض المسيحيين الآخرين من الكاثوليك والأرثوذكس، و«الجماعة الإسلامية» وبعض الأحزاب السنية الصغيرة، وفريق من الدروز يقف وراء طلال أرسلان، إلى جانب أحزاب موالية لسوريا. وفي المقابل فإن تيار 14 آذار يجمع بين الكتلة الأكبر من السنة وجزء من الموارنة يمثله حزبا «القوات» و«الكتائب» ومسيحيون منتمون لطوائف أخرى، وجزء من الدروز موالي لوليد جنبلاط.

وهذه الشبكة الكبرى من الولاءات تحوي داخلها ثلاث شبكات صغيرة، الأولى تتمثل في الولاء للزعامات الطائفية، وهي مسألة معهودة وتاريخية في لبنان. وهنا يطل حسن نصر الله وسعد الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط وميشيل عون وسمير جعجع، برؤوسهم، كرموز سياسية، إلى جانب رؤوس دينية مثل مفتي لبنان والمرجع الشيعي الأعلى والبطريرك الماروني.

والشبكة الثانية تضم الموالين لمصالحهم الضيقة، ممن يراهنون على أي من الفريقين، للفوز بالمناصب والمنافع، وتضم أيضا المغبونين من أداء الحكومة. أما الثالثة فتتمثل في التحيزات الأيديولوجية، التي تقسم البلاد عامة، ولو من الناحية النظرية، بين يمين موالٍ للغرب، خصوصا الولايات المتحدة وفرنسا، ويسار مناهض له، الأمر الذي يضع الأحزاب اليسارية في صف المعارضة.

وتقاطع الولاءات في المشهد اللبناني الراهن ساعد كثيرا على تحصين البلاد ـ حتى الآن ـ من الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، خاصة أن الصراع يدور حول المصالح. لكن استمرار الأزمة من دون حل مع تمسك الطرفين الصارم بمطالبهما، والتزامهما بموقعهما، وتأخر الوساطة الخارجية الناجعة، يمكن أن يحوله إلى صراع حول «القيم» التي قد تحددها الطوائف وليست الأيديولوجيات، مما سيقود إلى تأجج العنف المزمن، بعد أن تعاد صياغة وهيكلة أطراف الصراع، فتصبح الحدود والخطوط الطبيعية جلية بين الطوائف، وهي نقطة ندعو الله العلي القدير ألا يصل اللبنانيون إليها أبدا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة