بين هموم النخبة، وتطلعات العامة، تقع نقطة التقاطع، والتي تؤكد على وجود فجوة عميقة، هي في المحصلة النهائية نتيجة لتعدد المشارب، والاتجاهات، وربما فرز لواقع جديد من حيث الحدث، إلا أنها تؤكد أن التطور والتقدم بحاجة إلى وقت، قد يطول، وربما يقصر، إلا أنه يؤكد على أن البدايات في أي شكل من أشكال التطور والتغيير بحاجة إلى قراءات متعددة، وإلى مساحة لا حدود لها للحوار، لأطياف التركيبة الاجتماعية المختلفة، سواء أكانت متفقة أم مختلفة.
لذا فإن أولى خطوات الخروج من الأزمة، وبداية الحل تكمن في المواجهة، من دون خوف أو لبس أقنعة مختلفة، أو ارتداء قبعات متعددة ،يعتقد أن كلا منها تخاطب عقليات مختلفة، وهي في الأساس أدوات لا يمكن استخدامها طوال الوقت لأن الحقيقة تحرق ما سواها.
ومن هنا فإن الحوارات التي تجري في هذه الأيام على مستوى الساحة المحلية، سواء أكان ذلك متعلقا بالشؤون الداخلية، أم الإقليمية أم العربية، أم حتى العالمية هي ظاهرة صحية في مجتمع يتصف بالحراك الدائم، وبوجود متغيرات تؤكد على سلامة صحة المجتمع، وهي في الوقت نفسه تؤكد على أن التنوع الثقافي ظاهرة حضارية، تجعل الفرد يعيد ترتيب أوراقه يوميا، ويحتاج إلى المحافظة على ذاته، وعلى توازنه الداخلي، وأن من يحاول جمع المتناقضات في الوقت ذاته يخسر المصداقية، وأن الزمن قد تغير، وأنه لا يمكن ألا يستخدم المنطق والعقلانية في مناقشة الشأن العام.
إن العالم أصبح صغيراً جداً، ولم يعد المجال متروكاً لمن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة لوحده، بل إن التطور والتقدم التكنولوجي يخدم الجميع، فلم تعد المعرفة والعلوم حكراً على النخبة المتعلمة، أو تلك التي ترى أنها آلة المعرفة، وحتى التنظير السياسي، بل إن الإنسان في الألفية الثالثة والقرن الجديد، قد لا يبدي اهتماما بالكثير من القضايا والشؤون الاجتماعية، أو السياسية، أو الاقتصادية، إلا أن تراكم المعرفة جعل منه موسوعة إلى حد بعيد.
كانت الفكرة السائدة في المجتمع المحلي، أن اهتمامات الإماراتيين ـ سواء أكانوا من الذكور أم الإناث ـ في المجال السياسي بسيطة، إلا أن الاستجابة لعملية المشاركة السياسية تؤكد عكس ذلك، فها هي المرأة الإماراتية تؤكد على الخطوة السياسية الجديدة، وقد رفعت عنها القيود التي عملت على تهميشها، ولا تزال تؤكد على حقوقها في إبراز مشاركتها في خدمة الوطن وكم يسعد الإنسان وهو يقرأ في الصحف برامج انتخابية لنساء قررن أن يخضن معركة الانتخابات وقد وضعن نصب أعينهن خدمة المجتمع ككل، وليس المرأة فحسب.
أليست المرأة جزءا من هذا المجتمع تتحسس مشاكله وهمومه في مجالات التعليم والصحة والبيئة، والتركيبة السكانية والتوطين وغيرها من المشاكل التي تقلق المجتمع. وهذا لا يعني أننا لسنا سعداء بالبرامج الانتخابية التي يضعها الرجال من أبناء الوطن والتي تستحق الكثير من الدراسة والتقدير لأنها تحمل جميعها هموم الوطن وتطويره.
ولعل ذلك يؤكد على أن من يكون في الظل لفترات طويلة، يدرك أن بروز خيوط الفجر الجديد، ما هو إلا مؤشر على بداية يوم جديد، حيث ترفع القيادة السياسية الشبك القاتل للإنسانية وبوعي يواكب المتغيرات على جميع الصعد، آخذين بعين الاعتبار أن الإنسان لا يشرب من النهر مرتين، وأن البشرية تتطور بشكل غير عادي.
في هذه اللحظة من تجليات الأفكار والرؤية، أحسست أن الأداة التي أعبر بها عن أفكاري، قد اهتزت أو ربما تململت من هذا الاسترسال المبهم إلى حد ما والذي قد يدفع البعض إلى قلب الصفحة والانتقال إلى صفحات أخرى، إلا أن نشوة الغوص في أعماق ذوات الآخرين ظلت مسيطرة علي للحظات قليلة.
يبدو أن الشهر الأخير في السنة، هو بمثابة الأم التي تريد أن تضع مولودها في الشهر التاسع، حيث يكون ذلك الطفل مكتملا من حيث فترة الحضانة، بين الأم، والرعاية التي توفرها مؤسسات الدولة المختلفة، وبين إصراره على الخروج إلى الحياة. وبين الحراك السياسي في الإمارات في مجال المجلس الوطني الاتحادي وانعقاد المنتدى الاستراتيجي العربي في إمارة دبي، واجتماع تلك الفئات المختلفة ممن يحملون رؤى متعددة، سواء أكانوا من الغرب أم الشرق، إلا أن الجامع بين الحدثين قيادات شابة تبحث عن حياة أفضل للإنسان الإماراتي بشكل خاص وللبشرية بشكل عام.
بين هذا وذاك يبرز السؤال الأهم: إلى أين يتجه البشر؟ أهو قدر يدفع إلى التصادم، أم خير يوجه نحو الحوار؟ وبين هذا وذاك أيضا يظل السؤال العالق: ما هي رؤية العام المقبل؟ هل سنشاهد الإماراتية في أروقة المجلس الوطني الاتحادي، تناقش هموم الوطن، وتشارك في المنتديات الدولية ممثلة لشعب الإمارات، جنبا إلى جنب مع الإماراتي، أم أنها ستنتظر أربع سنوات أخرى لإعادة الكرة من جديد؟ جميعنا يتمنى أن يكون للمرأة مكان في المجلس الوطني الاتحادي،
ولكن من المؤكد، سواء حملت المرأة إلى تحت قبة البرلمان، أم لم تحمل، فإن ما يحدث في الإمارات إنجاز بحق، إنجاز لا يمكن أن نمر عليه مرورا عابرا، إنه حدث مفصلي في الإمارات، فلقد أصبحت المرأة اليوم في بؤرة القرار، في بؤرة المشاركة، أصبحت اليوم على مشارف مرحلة جديدة تحمل الخير لها ولمجتمعها ولأبنائها الذين تهز سريرهم بيد، فيما تحمل في اليد الأخرى شعلة تضيء لها الطريق.
وتتسع الأحلام، وتتعدد الأسئلة لتتجاوز ما هو محلي إلى ما هو إقليمي ودولي ونتساءل وملايين البشر معنا هل سنشهد قيام الدولة الفلسطينية، حلم العرب على ما يقارب نصف قرن من الزمن؟
وهل بالإمكان أن نزور عاصمة الرشيد بلا خوف، وهل تعود الولايات المتحدة إلى مجتمع الحلم من جديد، وتدرك أن القوة والانفراد قد تكون بداية النهاية، كما هو حال الإمبراطوريات في كل العصور؟ يبقى من المهم أن يدرك الإنسان أن البشرية تتطور وأنه لم يعد هناك متسع لممارسة الانتهازية من جديد.
وحدة الدراسات والبحوث
malmutawa@albayan.ae