هل تندلع حرب أهلية قبلية في جنوب السودان؟ الاشتباكات الدموية التي وقعت مؤخراً في إقليم أعالي النيل بين ميليشيات جنوبية قد تمثل مؤشراً مبكراً وخطيراً لما قد تأتي به الأيام. فأحد طرفي القتال ميليشيا تابعة لقبيلة الشلك يساندها مقاتلون من قبيلة النوير.. وكلتا القبيلتين تتخذان من إقليم أعالي النيل موطنا تقليدياً.
أما الطرف القتالي على الجانب الآخر فهو قوات من الميليشيا التابعة لـ «الحركة الشعبية» الحاكمة التي تتكون قيادتها وكوادرها القتالية من قبيلة واحدة هي الدينكا. هذا هو المشهد كما يبدو من على السطح. ولكن علينا أن نتقصى في ما وراء المشهد لندرك أنه يعود بنا إلى اتفاق سلام «نيفاشا» الذي مضى على تطبيقه حتى الآن نحو العامين.
منذ الخطوة الاستهلالية بدأت العملية التفاوضية بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» المتمردة والتي قادت إلى إبرام الاتفاق بداية خاطئة تمثلت في حصر التفاوض بين قوتين فقط: حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم في الشمال، وهو حزب أقلية، و«الحركة» التي لا تمثل سوى قبيلة واحدة.
هكذا ومع تطبيق الاتفاق بدأ عهد جديد في الجنوب السوداني يصح أن نطلق عليه عهد «الهيمنة الدينكاوية» ذلك أنه بموجب اتفاق السلام بسطت الحركة الدينكاوية سيطرة شبه احتكارية على مؤسسات ومواقع السلطة الحيوية بما في ذلك التشكيل الوزاري لحكومة الجنوب والبرلمان الإقليمي ومناصب الولاة والمحافظين، وفوق هذا وذاك أصبحت الميليشيا المتمردة التابعة للحركة الجيش الرسمي للجنوب.
وكان من المحتم أن يؤدي هذا الوضع القبلي الأحادي إلى انتشار حالة من التذمر المتصاعد بين القبائل الجنوبية الأخرى وان يتفجر هذا التذمر من خلال اشتباكات دامية. وهذا ما وقع بالفعل مؤخرا في إقليم أعالي النيل.
هذا التذمر سبقته تحذيرات على ألسنة شخصيات جنوبية نخبوية تنتمي إلى قبائل الاستوائية بالإضافة إلى قبيلتي الشلك والنوير. ففي مقالات نشرت بصحيفة «خرطوم مونيتور» التي تصدر في الخرطوم باللغة الانجليزية حذر هؤلاء من ممارسات تمييزية تنتهجها حكومة الجنوب لصالح الدينكا وضد مصالح القبائل الأخرى. من بين ذلك مثلا استيلاء الحكومة على مساحات من الأراضي في الاستوائية وأعالي النيل ومن ثم تمليكها لأفراد أو جماعات دينكاوية إما لغرض الرعي أو غرض البناء والسكن.
ما أشبه الليلة بالبارحة فما يجري اليوم في جنوب السودان في ظل اتفاق نيفاشا يبدو وكأنه بداية لما جرى خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي في ظل اتفاقية أديس أبابا للسلام، فقد فشلت تجربة الحكم الذاتي السابق بسبب تناحر قبلي خطير نشأ عن تذمر ضد هيمنة الدينكا على أجهزة السلطة الإقليمية في الجنوب.
آنذاك صرخ الفريق جوزيف لاقو، أحد قيادات الشريحة العليا الحاكمة في الجنوب في ذلك الحين قائلا ما يلي: «إنني اعتبر نظامنا السياسي في الجنوب نظاما قبليا صرفا قام بتأسيسه وترسيخه رجل يعمل كزعيم قبلي (يقصد أبيل ألير أحد القيادات الدينكاوية) اغتصب مواقع السلطة في الإقليم وقام بتوزيعها على أبناء قبيلته. وهذا عمل لا يختلف عما تفعله الامبريالية. إنني اعتبرها امبريالية تقودها عناصر سوداء من الجنوب نفسه».