وسط المشهد الانسدادي للأزمة اللبنانية المتفاقمة، ظهر فجأة خيط ضوء ينعش بعض الأمل، ولو بحجم الخيط. فالدرجة من التصعيد والتعقيد التي بلغتها الأوضاع المعروفة هناك والتي باتت تهدد بعواقب وخيمة، تجعل من أي إيماءة ايجابية مصدر تفاؤل؛ مهما كان ضئيلاً أو حذراً. بل إن مثل هذه الإيماءة تحفز على افتعال التفاؤل.
ذلك أن ما شهدته ساحة هذه الأزمة، في الأيام الأخيرة، ترك حالة من الذهول مع الخوف الكبير من أن تكون كافة الأبواب المؤدية إلى تسوية، قد أقفلت، الخطاب سادته لغة سريعة الالتهاب؛ خالطتها نبرة استفزازية. كما رافقها رفع لوتيرة الحرب الإعلامية ولاستعراضات القوة في ساحات المدن الكبرى؛ التهبت معها عملية التراشق بالاتهامات القاسية، وسط أجواء من التحدي المتبادل والتوعد بالمزيد من التصعيد.
من هنا كان الوقع الحسن لما تردد، نقلاً عن مصدر عربي، عن قبول الحكومة والمعارضة اللبنانيتين؛ لمبادرة عربية من 7 نقاط، كان قد حملها إلى بيروت مبعوث الجامعة العربية السيد مصطفى عثمان إسماعيل. الأمر الذي بدا بمثابة بوادر انفراج، تعززت احتمالاته بعودة سريعة اليوم للأمين العام للجامعة، إلى العاصمة اللبنانية. كما بوصول المبعوث إليها مجدداً لاستئناف اتصالاته؛ في هذا الصدد.
أخيراً ثمة فرصة على الطاولة. الموافقة حصلت بصورة مبدئية على المبادرة. طبعاً هذا بحد ذاته يحمل على الحذر. ذلك أن أجواء الأزمة ملبدة بالسحب السوداء. الهوة بين المعنيين اللبنانيين واسعة وعميقة. كذلك هي فجوة الهواجس والارتياب والجفاء المتبادل، مع ذلك يفترض أن كليهما يحتاج إلى مخرج ـ علها لا تكون فسحة للمناورة والتقاط الأنفاس ـ وفي ذلك صحوة وعودة منشودة إلى العقلانية القادرة وحدها على كبح الاندفاع نحو المأزق المقفل والقاتل.
وبقدر ما قد يفسح هذا الدور العربي في المجال للفريقين كي يتقبلا تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع؛ بقدر ما سيكونه من اختبار لحقيقة النوايا والرغبة في طي صفحة هذه الأزمة ووقف تفاقمها؛ الذي يهدد بعواقب وخيمة، لا يدرك احد مداها ونهاياتها. وفي ذات الوقت تشكل الموافقة ولو المبدئية، للأطراف المعنية، نوعاً من التحدي للدور العربي، المطلوب منه التشبث بهذه الفرصة، ليس فقط لإثبات جدارته بل أيضا لإعادة الاعتبار له في محيطه؛
ولقطع الطريق على احتدام الأمور في ساحة عربية أخرى مرشحة للتفجير، في زمن ما عاد بقدرة الوضع العربي احتمال المزيد من البؤر المتفجرة؛ وبالتالي المزيد من الشرذمة والتحديات. فالوضع اللبناني بات مشحوناً بكل أصناف الصواعق والألغام، وبذلك هو مهدد بالتحول إلى ساحة صراع، لا يقوى على احتماله. من دون هذه الأزمة هو منهك.
آثار العدوان الإسرائيلي الأخير، لا تزال جاثمة على الأرض. خلافاته السياسية تكفيه وزيادة. متاعبه الاقتصادية أكبر من إمكاناته وقدراته؛ النازفة بكل حال. وإسرائيل تتحين الفرصة، كالعادة، للقفز إلى ساحته بصورة أو بأخرى؛ لغرض التخريب والتأزيم. واللبنانيون أدرى الناس بشعابهم. تجاوبهم مع المبادرة العربية يؤشر إلى مثل هذه الدراية؛ بما هي حاجة ضرورية آنية، لا تقبل التأجيل. وعسى أن تبدأ حرارة البارومتر السياسي اللبناني بالهبوط، بحيث تعود الأمور إلى نصابها، أي إلى دائرة التحاور والتفاهم والتوافق الذي يقول اللبنانيون أنفسهم إنهم محكومون به.