انتهت السبت 2 ديسمبر الجولة الثانية للانتخابات البرلمانية والبلدية في البحرين. وبذلك تدخل مملكة البحرين مرحلة جديدة من مراحل الإصلاح. هذه الدورة الانتخابية عكست إلى حد ما واحدة من دورات تطور المجتمع. وهي تتميز بغلبة تيارات الإسلام السياسي تحت تأثير، كما يقولون في الفيزياء، قوة القصور الذاتي منذ التسعينات. ففي الانتخابات البلدية 2002 التي شاركت فيها الوفاق فازت بـ 23 من أصل 50 مقعداً، أي 46%.

بينما كانت نسبة المشاركة بحدود 53% فقط. أما في انتخابات 2006 فقد حصدت 17 من أصل 40 مقعداً برلمانياً، أي 5,42%، بينما ارتفعت نسبة المشاركين إلى حوالي 73%.

واضح أنه رغم بقاء الوفاق القوة الأكبر في ساحة المعارضة السياسية إلا أن هناك بعض الانحسار الجماهيري في انتشارها، علماً بأنها لم تتخل لأي من حلفائها عن أية دائرة تعتبرها «وفاقية مغلقة». وإذا احتسبنا إلى ذلك سابعة العاصمة حيث فاز النائب عزيز أبل بأصوات إضافية كثيرة من خارج الوفاق، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 45%.

أما قوى الطائفية السياسية الأخرى فقد انحسرت بشكل أكبر. لكننا نتوقف هنا عند الوفاق باعتبارها القوة الأساسية في المعارضة. ما كان للوفاق أن تعتمد في الحسابات الاجتماعية السياسية طرق الجمع والطرح والقسمة البسيطة، ناهيك عن «الضرب». فالمعادلات الاجتماعية السياسية تفاعلية، وهي أقرب إلى الكيميائية منها إلى الرياضية.

ماذا كان سيعني لو سهلت الوفاق، بالفعل لا بالنوايا، في أماكن، ولم تعق في أماكن أخرى وصول ممثلين عن «الوحدة الوطنية» و«التغيير» وغيرهما في مقابل «خسارة» عدد من المقاعد الوفاقية المضمونة ؟ طبعاً، من حق الوفاق أن تفعل ذلك أو لا تفعل. ورغم أن الوفاق دعمت ديمقراطيين ضد منافسين مشتركين، كما فعلت الأصالة والمنبر الإسلامي الشيء ذاته، إلا أن النتيجة المرة هي أن الفيلة في صراعها هرست، من حيث تدري أو لا، أخضر الأرض ووعدها.

وخرجنا ببرلمان 15 نائباً (5,37%) من أعضائه رجال دين، عدا ممثلي تنظيمات الطائفية السياسية أو المدعومين من قبلهم، الذين إذا ما أضفناهم سيشكلون جميعاً 34 نائباً أي 85% من المجلس النيابي. وهكذا فإنه وإن ضم المجلس بعضاً من إداريين ومهندسين وتربويين وشعراء وغيرهم، إلا أنه افتقد إلى الأهم:

باستثناء النائب عزيز أبل الذي وصل بطريقة خارقة للقاعدة أعلاه بدت تشكيلة المجلس وكأن التاريخ السياسي للحركة الوطنية في البحرين لم يبدأ إلا من التسعينات فقط. وباستثناء النائبة لطيفة القعود والتي أيضاً وصلت بخلاف القاعدة، وكأن البحرين لا تتميز بين شقيقاتها الخليجيات أو حتى العربيات بوزن محسوس للمرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. كما غاب عن المجلس رجال الاقتصاد والقانون والاجتماع ونقابات العمال ورجال الأعمال وناشطو حقوق الإنسان وغيرهم من الكفاءات التي تزخر بها بلادنا.

إذن فتوازنات المجلس تبدو وكأنها صورة مرآتية للواقع الاجتماعي من جهة، ومجافية لهذا الواقع من جهة أخرى.. إنها لمفارقة. لكن هذا ما أفضى إليه، بوعي أم بجهل، نهج قوى الطائفية السياسية، وسهلته السلطة السياسية.

وكما قلنا فمن حق أي طرف أن يفكر ويعمل بالطريقة التي يريد. لكن الذي يعنينا هنا هو أنه لم يكن من حق قوى التيار الوطني الديمقراطي السماح بأن تمضي الأمور كما جرت.

لقد سمح لنفسه أن يكون عشب الأرض، لكن ليس شجرها الذي لا تدوسه الفيلة. ربما لأنه فهم الوحدة الوطنية إلى حد الذوبان أو التماهي مع المغاير، وربما فهم أن التميز هو في صراعه البيني، وفهم مفعول الشعارات بقوة رنينها وليس بواقعيتها. وربما ذلك كله، والنتيجة أن العصي تفرقت فتكسرت آحاداً.

وبغض النظر عن حجم «المؤامرة» ضده خرج هذا التيار ليس خاسراً فحسب، بل ولا يعرف قوته الانتخابية الفعلية التي يجب أن يبني عليها لاحقاً بواقعية لا تزينها الأوهام. لقد نفخ في حجمه «جماهيرياً» وإعلامياً ثم وقع ضحية الأسطورة. للمرة المئة يتلقى التيار الوطني الديمقراطي درساً قاسياً، لكنه ضروري.

وربما للمرة المئة وواحد يتلقى مثل هذا الدرس من جانب الحكومة أيضاً، فبالرغم من تركيبته الأفضل إلا أن مجلس الشورى خلا تقريباً من ذات الاتجاهات التي خلا منها مجلس النواب. التيار الوطني الديمقراطي كله الآن خارج البرلمان، وكله يجب أن يبحث عن مكانه ودوره الطبيعي داخل المجتمع. دوره التاريخي ينتظره في مكان ما من مستقبل التطور الذي بيده أن يقربه بوحدته أو يبعده بفرقته، بحيث تعكس انتخابات 2010 واقعاً اجتماعياً سياسياً آخر.

قبل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس الوطني نقول للنواب الكرام هذا الوضع كما ترون، وأن الحمل ثقيل جداً، خصوصاً على «الوفاق» التي قد تزداد، بغياب أطراف معارضة أخرى، معاناتها بين نزعتها الوطنية العامة وتركيبتها كتنظيم سياسي طائفي. لن أكرر في هذا الصدد تشخيص الأمين العام للمنبر الديمقراطي التقدمي الدكتور حسن مدن، لكنني أقف عند إشارته أنه «يمكن للوفاق أن تنأى بنفسها عن هذه المتاهات إذا ما أعطت الأولوية للقضايا الاجتماعية والمعيشية للمواطنين» (الأيام، 7 ديسمبر). وأود أن أذهب أبعد، رغم ما قد يثيره ذلك من امتعاض.

ما من شك أن «الوفاق» ستبذل ما تستطيع لتفكيك ترسانة القوانين المقيدة للحريات واستبدالها بقوانين أكثر ديمقراطية، وستسعى لتعديلات دستورية. لكنها لكي تستطيع تناول القضايا الاجتماعية والمعيشية بجدية عليها أن تعيد النظر في موضوعات مهمة جاءت في الجانب الاقتصادي الاجتماعي من برنامجها الانتخابي أو في تصريحات من كتلتها. هنا غيبت الديمقراطية الاقتصادية بما يتناقض ومبدأ العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية التي يدعو إليها البرنامج في مواقع أخرى.

فالدعوة إلى ضمان الحد الأدنى للمعيشة بديلاً عن الحد الأدنى للأجور، لا تستوي والفهم الصحيح لمبدأي العدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية والربط بينهما، فتلك رعاية وهذا أجر مرتبط بالعمل، ويشكل أساساً لسلم الأجور في كل قطاع اقتصادي. والدعوة إلى اعتبار الخصخصة خياراً استراتيجياً وليس مجرد خيار بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية لا تستوي مع مبدأ صون الملكية العامة ومكافحة الفساد والاستهتار بالمال العام (استفيدوا من آخر تطبيقات «سهم العدالة» في برنامج الخصخصة الإيرانية على الأقل).

ولا يستوي القول بالدور «الريادي» للقطاع الخاص في الاقتصاد وإضعاف دور الدولة الاقتصادي دون تصحيح دوره الإنتاجي أولاً ودون الحديث عن نظام ضريبي عادل يحدد الالتزام الاجتماعي للقطاع الخاص عبر آليات الدولة كمنظم للاقتصاد.

والدعوة إلى نبذ مبدأ التخطيط لا تستوي والحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد بما يجعله منتجاً ومقدماً لفرص عمل أرقى نوعية وأجزى أجراً ويحول كثيراً من المعتاشين على الاقتصاد الوطني إلى مستثمرين حقيقيين مساهمين في تكثيره، ويجعل من مجتمعنا منتجاً وليس مستهلكاً. والتمسك بربط عملتنا الوطنية بالدولار الأميركي لا تستوي وسياسة نقدية مستقلة تؤدي دورها المطلوب كأداة لتحريك عجلات الاقتصاد الوطني وفق متطلبات الدورة الاقتصادية، ناهيك عن السياسة النفطية.

والتعويل على اتفاقية التجارة الحرة الثنائية مع الولايات المتحدة أكثر من علاقاتنا الاقتصادية والتجارية والمالية مع بلدان مجلس التعاون وبقية بلدان المنطقة والعرب والعالم لا تستوي ومهمة البحث باستقلالية عن المكان الأنسب لبلادنا في التقسيم الدولي للعمل والعلاقات الاقتصادية الدولية.

هنا مربط الفرس، حيث حقيقة الانحياز الاجتماعي ودعم الاستقلال الوطني. بكلمة، لا الخبز بدون الحرية ولا الحرية بدون الخبز، بل كلاهما مطلوبان..

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com