قبل عشر سنوات تقريبا، قررت وزارة الإعلام والثقافة (قبل إلغائها في التشكيل الوزاري الأخير) احتواء خريجي وخريجات الإعلام ممن لم يحالفهم الحظ بالحصول على عمل بعد التخرج، أو أولئك الذين يعملون ولكن في مجالات أخرى لا تناسب تخصصهم.
وقتها نشرت الوزارة إعلانا تدعو فيه جميع خريجي وخريجات الإعلام ممن يرغبون في العمل بالوزارة إلى التقدم بأوراقهم لإجراء المقابلات الشخصية لهم تمهيداً لاختيار العناصر الصالحة منهم للانضمام إلى العمل بالوزارة والأجهزة الإعلامية التابعة لها.
وقد كان لي شرف عضوية اللجنة التي تولت إجراء المقابلات للمتقدمين الذين جاوز عددهم الثلاثمئة خريج وخريجة، كان أغلبهم قد انضم بعد التخرج إلى قافلة العاطلين عن العمل يوم أن كان عدد أفراد هذه القافلة معقولا لم يصل إلى درجة التضخم الذي تعاني منه اليوم ليشكل أزمة تتفاقم عاما بعد عام. وكان عدد قليل منهم يعمل في مجالات غير إعلامية ويرغب في الالتحاق بمجال تخصصه إذا ما أتيحت له الفرصة لتحقيق ذلك.
لم تكن صدمتنا في لجنة المقابلات يومها بسبب العدد الذي تقدم لانتهاز هذه الفرصة بقدر ما كان سببها المستوى الثقافي الذي وجدنا عليه أغلب المتقدمين، خاصة فيما يتعلق بالثقافة الوطنية التي يُفترَض أن تكون عالية لدى خريجي الإعلام لأنها واحدة من الأسلحة الضرورية التي يجب أن يمتلكوها وهم يشقون طريقهم في هذا المجال الذي يعتمد على المعلومات كمخزون رئيسي قبل امتلاك الأدوات والمهارات.
الثقافة الوطنية التي أعنيها ولم نجدها لدى أولئك الخريجين ليست من النوع المتخصص الضارب في عمق التاريخ أو السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، ولكنها من ذلك النوع المتاح للجميع، الذي نجده أمامنا كل يوم ونحن نتصفح الجرائد والمجلات التي تزخر بأخبار الدولة، والتي يُفترَض أن يطّلع عليها خريجو الإعلام كجزء من تخصصهم.
وهي متاحة أيضا في محطات الإذاعة وقنوات التلفزيون، تقدمها على مدار اليوم نشرات الأخبار والبرامج التي يُفترَض أن يتابعها أولئك الخريجون لأنها من صميم اهتمامهم. كانت صدمتنا فيهم كبيرة لأن بعضهم كان يجهل اسم نائب رئيس الدولة وأسماء أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد وقتها.
وكان عدد كبير منهم يجهل أسماء أغلب أعضاء الحكومة الاتحادية الذين تتكرر أسماؤهم كل يوم في نشرات الأخبار وعلى صفحات الجرائد. أما عن جهلهم بمؤسسات الدولة الاتحادية من مجلس أعلى ومجلس وزراء ومجلس وطني فحدث ولا حرج، إذ كان أغلبهم يخلط بين هذه المجالس، ويجهل اختصاصاتها بشكل مخجل لا يليق بمواطن أو مقيم على أرض الإمارات، ناهيك عن أن يكون خريج إعلام من أبناء الدولة.
وتكبر المأساة إذا خرجنا عن نطاق الإمارات فسألنا مثلا عن الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التي كان البعض لا يعرف حتى عددها وأسماء عواصمها وقادتها! إلى هذه الدرجة من البؤس وجدنا هذه الثقافة لدى أولئك الخريجين فكانت اختياراتنا منهم محدودة جدا.
عشر سنوات مضت على الانطباع السيئ الذي تركته تلك المقابلات لم تستطع أن تمحو صورتها من الذاكرة لأنها لم تكن تعني تدني مستوى الثقافة الوطنية لدى فئة يُفترَض أن تكون قائدة وموجهة في المجتمع فقط، ولكنها كانت مؤشرا خطيرا على انحدار وسوء أداء مؤسسات كثيرة في المجتمع، تبدأ من مؤسسة الأسرة التي لم تتمكن من غرس هذه الثقافة في نفوس أبنائها.
وتنتقل إلى مؤسسة التعليم التي لم تستطع أن تعمق هذه الثقافة لدى الطلبة والطالبات، بدءاً من مرحلة الروضة وحتى التخرج من الجامعة، رغم كل الجهود التي تبذلها هذه المؤسسة في كل المراحل الدراسية، لكنها جهود تظل ناقصة في ظل عدم حرص الأفراد أنفسهم على تنمية هذه الثقافة في ذواتهم.
وعدم تعاون مؤسسات المجتمع الأخرى لترسيخها لدى الأفراد بمختلف فئاتهم التي تشكل فئة الخريجين النموذج المتقدم منها وتصلح أن تكون معياراً لقياس مستوى الثقافة الوطنية في المجتمع بشكل عام. ثم تتوسع الدائرة لتشمل مؤسسات كثيرة حتى لا تستثني طرفا.
هذا الانطباع التي تمنيت أن يكون سببه وأثره قد زالا بعد عقد من الزمن عاودني من جديد وبشكل أكثر مرارة ونحن نحتفل قبل أيام بالذكرى الخامسة والثلاثين لقيام دولتنا الحبيبة، عندما قامت وزارتا الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ووزارة شؤون الرئاسة (ممثلة في مركز الوثائق والبحوث) مشكورتين بتنظيم ورعاية مسابقات عبر إذاعات الدولة المختلفة، كان محورها الثقافة الوطنية التي نتحدث عنها. وقد تنوعت أسئلتها لتشمل أحداثا مرتبطة بتاريخ نشأة الدولة وتطورها.
وأخرى متعلقة بجغرافية البلاد والمؤسسات الاتحادية والمناطق السياحية والتاريخية والاقتصادية وبعض الشخصيات السياسية والأدبية المعروفة في الإمارات. ورغم سهولة الأسئلة التي كان بعضها على شاكلة (في أي عام أُعلن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة؟) إلا أن بعض الإجابات التي تلقّاها مقدمو برامج البث المباشر في إذاعات الدولة كانت مضحكة، لكنه ضحك من ذلك النوع الذي هو أقرب إلى البكاء.
فقد كان المطلوب في أحد الأسئلة على سبيل المثال أن يذكر المستمع أسماء ثلاث من الوزارات المستحدثة أو التي انقسمت إلى وزارتين في التشكيل الوزاري الأخير وأسماء الوزراء الذين يتولونها. وكان أول المتصلين مواطنا بدأ إجابته بأن أخطأ في اسم (وزارة الشؤون الاجتماعية) فسمّاها (وزارة شؤون المجتمع). ثم كانت الطامة الكبرى عندما قال المتصل (المواطن) إن وزيرتها هي (ماجدة الرومي)!
ليجد المذيع نفسه مضطرا لإنهاء المكالمة التي لم يتراجع صاحبها عن إجابته حتى صحح له المذيع اسم الوزارة وأوضح له أن (ماجدة الرومي) فنانة لبنانية وأن وزيرة الشؤون الاجتماعية بدولة الإمارات هي السيدة (مريم الرومي). وعلى هذا المنوال مضت المسابقات كاشفة نقص الثقافة الوطنية لدى فئة عريضة من الناس، مواطنين ومقيمين على أرض الإمارات، إلى درجة أنه لم يستطع التعرف على اسم أول رئيس للمجلس الوطني الاتحادي.
وهو المغفور له ثاني بن عبد الله الرميثي، سوى طفلة اعترفت بأنها استقت المعلومة من عمتها - وليس في هذا عيب بل لعلها ميزة تُحسب لها - وذلك بعد مكالمات كثيرة توزعت إجاباتها بين المغفور لهما الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، والشيخ حمدان بن محمد آل نهيان اللذين لم يتول أي منهما رئاسة المجلس الوطني، والمغفور له تريم عمران الذي كان ثاني رئيس له.
هذا النقص في ثقافتنا الوطنية مؤشر خطير يدعونا إلى البحث عن أسبابه، ليس بين صفحات كتب أبنائنا في مدارسهم وجامعاتهم فقط، وإنما في بيوتنا التي يجب أن يرتفع الحس الوطني داخلها كي ينشأ الأبناء على الاعتزاز بالوطن، لأن أول قواعد تكوين الاعتزاز بالوطن هو معرفة تاريخه وجغرافيته ومؤسساته ورجالاته الذين أسسوا بنيانه، وأولئك الذين يواصلون البناء ويسهمون اليوم في إعلاء صرحه.
مسابقات العيد الوطني الخامس والثلاثين كشفت لنا عن خلل كبير تعاني منه ثقافتنا الوطنية في أبسط صورها كما هو في عمقها. وعلينا جميعا أن نبحث عن أسباب هذا الخلل كي لا يتحول إلى أزمة تُضاف إلى مخزون الأزمات التي لدينا منها ما يكفي وزيادة.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com