قمة الرياض في الدورة الـ 27 للمجلس الأعلى لدول «مجلس التعاون الخليجي» كانت فعلاً متميزة بصرختها التحذيرية، غير الاعتيادية من المخاطر الجسيمة المحدقة بالمنطقة؛ وبدعوتها الملحاحة إلى وجوب التحصن الخليجي، لدرء هذه المخاطر.

الملفت في خطاب المجلس هذا، كان درجة المصارحة والمكاشفة؛ التي اعتمدها بخصوص الملف الأمني الإقليمي والتحديات غير المعهودة التي لابد من رفع درجة الاستعداد لمواجهتها. فهو تجاوز المألوف، في تسمية الأشياء بأسمائها، وفي وضع الإصبع على مكامن التفجير الذي يهدد الجميع. وبهذا الخصوص كانت قمة الرياض واضحة، من حيث التشخيص؛ كما من حيث العدة المطلوبة للتصدي.

وفي المقدمة منها «توحيد الرؤى»؛ كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في كلمته أمام القمة. وبذلك فالرسالة لا تحتاج إلى تفسير. مفادها أن الأمن الخليجي صار على تخوم دائرة الخطر العربي والإقليمي.

فهذه الدائرة توسعت. بؤرها الملتهبة يزداد اشتعالها.

شبح تمادي التدهور في ساحاتها يهدد المنطقة بوصول نيرانه إليها. فالصراعات الدائرة هذه المرة، خلافاً لأي منها في السابق، يطغى عليها لون ذو طبيعة شديدة الاشتعال.الحروب الأهلية يتمدد حريقها بسرعة ويأخذ بطريقه الحواجز والفواصل، غير الاجتماعية، القائمة. كذلك كان الهم الإقليمي، غير العربي، حاضراً؛ لما يختزنه من احتمالات تدعو إلى القلق والتخوف.

ولذلك كان من الطبيعي أن يجري التركيز على قضايا التنسيق، بين دول المجلس، الذي لم تكن يوماً الحاجة إليه ضاغطة وأساسية، كما هي عليه في هذا الزمن. وإذا كان الهم الأمني قد طغى على القمة، بحكم الخطوط الحمراء، التي تعيشها المنطقة والتي وصفت بأنها «خزان بارود ينتظر الشرارة لينفجر»، على حد ما قاله العاهل السعودي؛ إلا أن المشاغل والبنود الاقتصادية الخليجية، كانت حاضرة هي الأخرى.

فالقادة الخليجيون يدركون أهمية المسائل المعلقة في هذا المجال والحاجة إلى دفعها إلى الأمام، باتجاه استكمال الخطوات المؤدية إلى تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية المنشودة. فالعمل لتحقيق هذه الوحدة لا يخدم فقط قضايا التنمية والازدهار الاقتصادي الذي تنعم به منطقة الخليج؛ إنما يصب أيضاً في صميم عملية التحصين الشامل المطلوب والكفيل بتأمين المظلة الواقية لاستقرار دول المجلس.

لقد صوّبت قمة الرياض الإصبع بدقة إلى الأولويات، كما إلى صيغ التعاطي معها. فالمنطقة تعصف بها أعاصير جارفة. وبقدر ما هو مطلوب من مجلس التعاون العمل على ردّ هذه العواصف قدر المستطاع أو على الأقل التخفيف من حدّة وقوة رياحها؛ بقدر ما هو مطالب أيضاً بتعزيز مناعة دائرته وجعلها عصيّة على الاختراق.

ومن هنا تأتي أهمية وحدة المقاربة والرؤية، كمدخل لوحدة التصدّي ولتصليب الجبهة الداخلية. ففي ذلك تحقيق لانجاز وحماية الدار والديرة، وثانياً تمكينها من الالتفات إلى الجوار والمساهمة في إطفاء حرائقه.

القمة الـ 27 «لمجلس التعاون»، كانت مفصلية. زمانها وتحدياتها وقراراتها من العيار الثقيل. ولا مبالغة إذا وصفت بالاستثنائية. على الأقل من زاوية أنها شكلت لحظة حافزة لتحصين التعاون وتعزيزه بين دول "التعاون".