تواجه المجتمعات العربية، تحديات خطيرة عديدة، هناك التحدي الإرهابي الذي لا يزال نشطاً يقتل ويدمر ويزرع الخوف والقلق، ورغم النجاحات التي تحققها الأجهزة الأمنية في مداهماتها للخلايا الإرهابية، إلا أن الإرهاب أصبح الآن أكثر مراوغة، يختفي ليظهر فجأة ليضرب ويغدر ثم يختفي، مثل فيروس الزكام، مؤخراً أعلنت السلطات السعودية أنها تمكنت من تفكيك (7) خلايا لمتشددين كانوا يخططون لشن سلسلة من الهجمات الانتحارية عبر التخفي بين حجاج بيت الله.

واحتجزت كذلك (136) منهم كما شهدت مدينة جدة مواجهة أمنية مع عدد من الإرهابيين ذهب ضحيتها بعض الحراس. وفي مصر ضبطت الأجهزة الأمنية تنظيماً جديداً للتكفيريين تمكنوا من إقامة مدرستين لتحفيظ القرآن في مرسى مطروح بهدف جذب متطوعين من شباب المحافظة لتسفيرهم للعراق.

هذا الإرهاب الذي يعربد في شوارعنا ويضرب استقرار مجتمعاتنا ألا يدعونا لإعادة النظر في خطابنا الديني الذي أخفق في تحصين شبابنا ضد أمراض التطرف؟ وما جدوى الخطاب الديني المعتدل، وما قيمة مؤتمرات الوسطية التي تعقد في كل مكان إذا فشلت في مواجهة التشدد؟!

هناك الآن، التحدي النووي الإيراني الذي أصبح هاجساً خليجياً مقلقاً.. وهناك التحدي المتمثل في التمدد الإيراني المتزايد في الخليج والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والصومال. لكن أخطر التحديات أمامنا هو «التحدي الطائفي» لذلك خصص له (المنتدى الاستراتيجي العربي الرابع) والذي انعقد بدبي في الفترة من 4 ـ 6 ديسمبر، بمشاركة 600 شخصية عربية وعالمية محوراً خاصاً بعنوان: (التحديات الطائفية في الشرق الأوسط: مواجهة الفتنة).

إن التحديات الطائفية هي الأخطر، لأن الإرهاب إذ يزرع الخوف ويثير عدم الاستقرار إلا أنه لا يهدد الدولة، لكن التحدي الطائفي يهدد الدولة بالانهيار والتصدع ويهدد المجتمع بالحرب الأهلية، ويمهد كذلك للتدخل الأجنبي لنصرة طائفة ضد أخرى. وقد صرح وزير خارجية البحرين مؤخراً (بأن الطائفية خطر جديد يهدد دول الخليج).

وما يحصل في العراق من مجازر ما هي إلا أحد إفرازات الوضع الطائفي المحتقن، وما يقوم به حزب الله ـ في رأيي ـ من تهديد وتخوين واعتصام ومحاصرة، نوع من فرض وصاية طائفية مسلحة على الأكثرية المخالفة، لأهداف ومصالح ضيقة، إن حزب الله يقود مشروع فتنة خطيرة له نتائج كارثية على لبنان وعلى المنطقة، والسيد نصر الله إذ يطالب بحكومة وحدة وطنية فإنه بتشجيعه للشارع إنما يهدم الوحدة الوطنية ويكرّس الانقسام الطائفي.

وهو إذ يتبنى الخطاب التخويني ضد الحكومة وقوى الأكثرية إنما يناقض نفسه (طائفياً) كما تقول هدى الحسيني: «كثيراً ما تساءلنا: كيف يمكن للشيعة الموالين لإيران في العراق أن يكونوا مع الولايات المتحدة في حين يخوّن حزب الله ـ الموالي والمدعوم والحليف لإيران ـ كل طرف لبناني على أساس أنه مع الولايات المتحدة وليس معه»!!

وفجأة أصبح الكل يطالب بحكومة وحدة وطنية في لبنان، وفي العراق وفي فلسطين، كل يريدها حسب هواه، وأخشى أن يكون ذلك أشبه بقميص عثمان يحيا من جديد، وكأننا مازلنا في عصر الفتنة الكبرى، نعيش الصراعات الطائفية التاريخية. ترى لماذا أصبحت التعددية المذهبية والدينية مشكلة خطيرة لدولنا ومجتمعاتنا، بينما تعيش شعوب الأرض قاطبة وتتعايش مع تعدديات عديدة دون أية مشاكل ـ أوروبا وحدها أديان ومذاهب وثقافات و23 لغة!

تُرى أين المشكلة؟ هل المشكلة في التعددية الدينية والمذهبية والقومية؟!

إن التعددية ـ في حد ذاتها ـ نعمة ومزية وإثراء ومصدر بهجة، وقد اقتضت حكمة الإله ومشيئته وإرادته تعدد المذاهب والشرائع والملل والقوميات طبقاً لقوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..» أي خلقهم للاختلاف الخلاق، إذن ما المشكلة؟!

المشكلة أن المجتمع العربي لم يستطع هضم وتوظيف التعددية المذهبية والطائفية من أجل التفاعل الخلاق والتواصل السياسي والثقافي بهدف الارتقاء والبناء والتعاون.

وتحوّلت التعددية إلى مصدر انقسامات ووظفت من أجل مصالح ضيقة وتم تصعيد الطائفية على حساب تهميش مفهوم المواطنة والانتماء المشترك بسبب عجز الدولة الوطنية عن الوفاء باحتياجات مجتمعاتنا في لقمة العيش وفي المحافظة على كرامة المواطنين وصيانة حقوقهم وحرياتهم وفي تحقيق العدالة للجميع.

وفي ترسيخ ثقافة التسامح السياسي بين عناصر وطوائف المجتمع الواحد. وكما يقول مفكرنا الكبير الدكتور محمد جابر الأنصاري: «إن التسامح ليس فطرة يولد بها الإنسان، بحيث نجد إنساناً أو شعباً متسامحاً وإنساناً أو شعباً غير متسامح بفطرتهما، إن التسامح ممارسة عملية وحصيلة لأسباب موضوعية قبل أن يصبح قيمة مجردة..

من المحال ترسيخ ثقافة التسامح في النفوس بينما قطاعات واسعة في المجتمع تعاني عدم التسامح في حقوقها الاقتصادية ـ الاجتماعية الأساسية أو في التعامل السياسي والإداري معها». نعم إن التعددية الطائفية التي هي نعمة تتحول إلى نقمة في غيبة الانتماء الأعلى (المواطنة) وحضور الانتماء الأدنى (الطائفية، القبلية) وهذه هي مشكلة المجتمعات العربية ـ أساساً.

على مر التاريخ الإسلامي كانت ثقافة الإقصاء، والتهميش هي السائدة، وهي السياسة الممارسة من قبل كل طائفة مسيطرة وحاكمة ضد الطوائف الأخرى، وحينما تكونت الدولة الوطنية الحديثة ونصّت دساتيرها على إعلاء قيمة (المواطنة) .

واتخاذها معياراً للحقوق والواجبات، بقيت نصوصاً مجردة ومعطلة بعيدة عن حقائق الواقع المجتمعي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الأفراد، وكانت النتيجة تعميق التناقض والازدواج في الشخصية الفردية والجماعية العربية وفي ضعف الولاء للوطن، وفي زيادة تعصب المواطن لقبيلته وطائفته، ومن ثم المزيد من الاحتقان الطائفي ثم الشحن الطائفي إلى التوتر الطائفي والأزمة الطائفية.

كاتب قطري