يقول الكاتب الصحافي روبرت فيسك في مقالة له نشرت في جريدة الإندبندنت البريطانية الخميس الماضي والموافق 07/12/2006 إن الإمبراطورية الرومانية، كناية للولايات المتحدة الأميركية، تنهار، لذا فهي تلجأ اليوم لسوريا وإيران، ويضيف أن الإمبراطورية الرومانية، أو بمعنى صريح، «الأميركية».
في حالة انهيار، والفيالق التابعة لها لم تعد قادرة على فرض قوانينها على «ميسوبوتاميا» أو بلاد ما بين النهرين؛ ويشبه فيسك حال الرئيس الأميركي بوش الابن بحال الإمبراطورية الرومانية التي فقدت فيالقها البيارق الخاصة بها في صحراء سوريا والعراق وهي تفر هربا من جحيم الموت؛ لكن الفرق، كما يقول فيسك في مقاله، أنه لا يوجد عند الرئيس بوش منقذ مثل مارك أنتوني، والذي استطاع أن ينقذ ويستعيد شرف الإمبراطورية الضائع.
الرئيس الأميركي اليوم لديه خيار واحد، وهو ليس بالخيار الأمثل، ولكنه على الأقل بوابة لو استثمرت بشكل إيجابي قد تقود للحوار والدبلوماسية التي قد تنقذ ما يمكن إنقاذه في أسوأ نهج سياسة خارجية أميركية في تاريخ أميركا المعاصر.
قد يكون تقرير لجنة بيكر من أفضل التقارير التي قدمت في حكومة بوش الابن منذ بداية غزو العراق واحتلالها، ولكنه ليس بالمثالي، فهو يحتوي على الكثير من المغالطات والأفكار غير المتطابقة مع الواقع. فعلى سبيل المثال، يقول التقرير إن العراق على شفا الانزلاق إلى الفوضى، فماذا يسمي السيد بيكر ولجنته موت أربعة آلاف عراقي كل شهر!
أليست هذه الفوضى بعينها. أيضا، تقرير بيكر يقول إن «الحكومة الأميركية يجب أن تعمل مع القيادات العراقية من أجل تحقيق أهداف محددة، مثل المصالحة القومية والأمن والسيطرة على الوضع». ويبدو هنا أن كاتبي التقرير غير واعيين إلى أن الكيان السياسي العراقي يعيش حالة تشرذم وتفكك، وأن المؤسسات الوطنية مثل الشرطة والجيش والوزارات الحكومية قد تم تقسيمها بين السنة والشيعة والأكراد. فالعراق اليوم.
كما يسميه بعض المحللين قريب من لحظة سايغون، أي لحظة الانهيار الحكومي الكامل. فضلا عن هذا، يقول التقرير إن الحكومة العراقية يجب أن تدعم حتى تصبح قادرة على إدارة زمام الأمور، والسؤال هنا ألا يدري السيد بيكر ولجنته أن الحكومة الأميركية هي المسؤولة الأولى عن ضعف الحكومة العراقية، حيث أنها كانت تعمل دائما على تدعيم وتنصيب حكومة عراقية تابعة لها.
لم ترغب أبدا الحكومة الأميركية على تنصيب حكومة، على سبيل المثال، غالبيتها من الشيعة الذين لديهم ميول للحكومة في طهران، حتى وإن كانت ستكون قوية وقادرة على السيطرة على الوضع. الحكومة الأميركية عملت على تشكيل حكومة عراقية ونظام سياسي عراقي قائم على العرقية وليس الوحدة العراقية.
الجانب الإيجابي الوحيد في التقرير هو إبرازه للإدعاءات الأميركية والبريطانية الكاذبة بان الانتصار في العراق يتحقق، وبأن الأهداف التي شن من أجلها الغزو تتحقق، كما أنه، وبالرغم من كل المغالطات التي ظهرت فيه، إلا أنه يبقى، كما ذكرت سابقا، بوابة للحوار والدبلوماسية التي قد تنقذ ما يمكن إنقاذه.
لقد جاء هذا التقرير في جوهره بكل ما يعرفه الكثيرون، غير أنه مازال الرئيس بوش في حالة متأرجحة بين الاعتراف بالهزيمة وقبولها، وما بين ما تتطلبه منه كرامته كرئيس وصاحب القرار الأخير في غزو العراق واحتلالها، لذا فهو لا يزال يفضل عدم التنازل ويدعي أنهم حتما منتصرون. ففي تصريحاته الأخيرة خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع السيد بلير، كانت هناك حالة نكران واضحة للتسليم بالهزيمة أو قبولها من قبل الرئيس بوش.
وكان هذا واضحا في رده على سؤال أحد الصحافيين حين قال: «إن الوضع سيء في العراق ولكن الولايات المتحدة ستنتصر في هذا البلد». وعندما سأله صحافي آخر عما إذا كان مستعدا للاعتراف بالفشل، اكتفى السيد بوش بالقول «أعلم أننا لم ننجح بالسرعة التي كنا نريد أن ننجح بها».
وقبل هذا المؤتمر الصحافي بعشرة أيام تقريبا عندما كان الرئيس بوش في زيارة للعاصمة الأردنية عمان للتباحث مع بعض رؤوس الحكومة العراقية «المنتخبة أميركيا»، صرح وبالرغم من رائحة دم العراقيين المراقة التي قد تشم في عمان لكثافتها، «أن الولايات المتحدة ستبقى في العراق حتى تكتمل المهمة».
وكأن أجزاء كثيرة من هذه المهمة قد أكملت وهم بحاجة لوقت آخر لإكمال الأجزاء الأخرى وتحقيق هدفهم «النبيل» الذي جاءوا من أجله وهو تحقيق الديمقراطية والحرية للشعب العراقي! هذا الشعب المنكوب الذي لم يشهد منذ دخول قوات الاحتلال غير الموت والخراب.
حالة النكران هذه هي حالة عقلية ونفسية مرضية، وهي حالة لا يتفرد بها السيد بوش وحده، بل كان هناك الكثير من الرؤساء الذين أصيبوا بمثل هذا المرض النفسي الخطير وانتهى بهم الحال للهاوية.
وتتمثل أعراض هذه الحالة في بروز حقائق ودلائل واضحة للكارثة يواجه بها المصاب لكنه يبقى ناكرا لها. ففي حالة الرئيس بوش مثلا هناك دلائل واضحة على الكارثة التي سببها، ومنها على سبيل المثال تفاقم أعداد القتلى بين الأبرياء من العراقيين والتي قد تصل في اليوم الواحد إلى ألف قتيل، لكنه يبقى محافظا على نكران هذه الدلائل الواضحة للعيان.
ويتمسك بأفكار وهمية وخيالية بعيدة تماما عن الواقع مثل «نحن حتما منتصرون، ولن نخرج حتى تكتمل المهمة»، أو «مادامت قيادات جيشنا قد وعدتنا بالنصر فهو حتما سيتحقق»، ثم، وبسبب الضغوط الدولية والشعبية، يظهر عارض التأرجح بين التنازل والاعتراف بالأخطاء والهزيمة أو الإصرار على استمرار النكران حتى السقوط.
التشخيص لحالة السيد بوش يشير إلى أنه يعيش في مرحلة العارض الثالث والمتمثلة في حالة التأرجح بين الاعتراف بالهزيمة ونكرانها؛ فبالرغم مما قدمته لجنة بيكر في تقريرها من مخاوف ومخاطر تشوب الوضع العراقي وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على المنطقة وعلى العالم سلبا، وبالرغم من التدهور غير المسبوق في أوضاع العراق والمنطقة، وبالرغم من وجود المعارضة الشعبية المتنامية في أميركا والعالم كله، إلا أن السيد الرئيس مازال يعاني من أعراض التردد والتأرجح.
أمام الرئيس الأميركي اليوم وصفة دوائية ناجعة، وفرصة ثمينة لتعاطيها قبل أن تستفحل الأعراض وتصبح مزمنة، إلا أن السيد بوش مازال على حاله، فهو لم يزل مثلا رافضا ربط قضية العراق بما يحدث في فلسطين، ومترددا في فتح الحوار مع سوريا وإيران، ومصرا على أنه لا بد من أن يكمل المهمة في العراق، وهو يرى بأن تقرير بيكر ما هو إلا تقرير من مجموعة أخرى من التقارير التي يقوم الآن بدراستها، وكأن للوقت متسعا.
ماذا يريد السيد الرئيس؟ هل هو إلى هذه الدرجة من السادية بحيث أنه يتمتع بهذا الموت غير المبرر، وبرائحة دماء العراقيين المكثفة والمهيمنة على رائحة المكان، هذا الدم الذي تحتاج الأرض العراقية سنين طويلة حتى تتمكن من امتصاصه؟ أم أنه اختلطت في ذهنه رائحة البترول برائحة الدم فلم يعد يميز بينهما.
ولم يعد أنفه يشم غير رائحة النفط المثيرة لكل حواسه الامبريالية؛ ألا يعتقد السيد الرئيس بوش أنه آن الأوان وأزف الوقت للمراجعة وللتنازل عن هذه العنجهية والغرور الامبريالي المحكوم والمسير بمصالح مجموعة من المحافظين الجدد. ألا يعتقد السيد الرئيس انه آن الأوان ليستمع لأصوات غير صوته، وبأن هذه فرصته الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أسوأ كارثة خارجية في التاريخ الأميركي بعد فيتنام.
جامعة الامارات
albaharm@yahoo.com