كاد تقرير بيكر ـ هاملتون، من خلال تحذير مبطن، أن يصارح الطبقة الحاكمة الأميركية بأن الولايات المتحدة تخاطر بفقدان مركزها العالمي إذا لم تقلع عن نهج القوة الخشنة في التعامل مع العالم بوجه عام والشرق الأوسط بوجه خاص.وكاد التقرير أيضاً أن يحذر الولايات المتحدة من بقاء توجه سياستها الخارجية رهينة لأهداف ومصالح إسرائيل.

وإذن، فإن توصيات التقرير لا يقتصر مغزاها على تغيير مرحلي تكتيكي وإنما يشير إلى ضرورة تغيير استراتيجي جذري وشامل في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع القضايا والأزمات الخارجية خاصة في ما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي. ويبقى بعد ذلك أن ننتظر لنعرف مصير التقرير وتوصياته: فهل يؤدي إلى صحوة أميركية أم انه مجرد صرخة في واد؟

لقد شددت مجموعة بيكر ـ هاملتون على أن تكون لقضية الصراع العربي الإسرائيلي الأولوية القصوى للطبقة الحاكمة الأميركية باعتبارها أم القضايا، لأن ما عداها من القضايا ـ بما في ذلك العراق ـ ليست سوى تداعيات.

فتقرير المجموعة يقول صراحة «إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تحقق أهدافها في الشرق الأوسط ما لم تعالج مباشرة النزاع العربي الإسرائيلي». وفي هذا السياق تستحث المجموعة المكونة بالتساوي بين الحزبين الأميركيين إدارة بوش على إظهار «التزام متجدد ومتواصل» من أجل التوصل إلى خطة سلام شامل بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين وسوريا ولبنان من جهة أخرى.

فهل سيكون لمثل هذا القول الصريح والجاد وقع حسن لدى السلطة التنفيذية للولايات المتحدة وسلطتها التشريعية المتمثلة في كونغرس يستوحي في تشريعاته وقراراته نفوذ الحركة اليهودية الصهيونية؟

بكلمات أخرى: هل ترغب الطبقة الحاكمة الأميركية في منازلة فريق «المحافظين الجدد» الذي يمثل رأس الحربة للحركة الصهيونية والذي يتخذ من اعتبارات حماية إسرائيل عقيدة تكاد تبلغ مستوى العقيدة الدينية؟

تقرير بيكر ـ هاملتون ينطوي في هذا السياق على تحذير مبطن يقول فيه «إن الولايات المتحدة لا تخدم مصلحة حليفتها إسرائيل بتجنبها المشاركة بشكل مباشر في البحث عن حل للنزاع الإسرائيلي العربي».

ويبدو وكأن واضعي التقرير أرادوا أن يقولوا إن المصلحة القومية للولايات المتحدة ينبغي أن تكون سابقة على مصلحة إسرائيل. وهذا مما يعيد إلى الأذهان تلك الأصوات الأميركية التي ارتفعت بعد أن هدأ غبار تفجيرات سبتمبر في نيويورك وواشنطن. فمن خلال الدمار الأسطوري الذي أصاب الأميركيين داخل أراضيهم للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة تساءلت تلك الأصوات: إلى متى يدفع الشعب الأميركي ثمن التحالف مع إسرائيل؟

مع ذلك لا نستطيع أن نجزم أن الطبقة الحاكمة الأميركية سوف تتجاوب مع محاذير بيكر وهاملتون ـ السياسيين المخضرمين. لكن نستطيع على الأقل أن نقول ان تقريرهما بمثابة حجر ألقي في ماء راكد، وانه على هذا النحو قد يثير جدالاً في الساحة الأميركية الداخلية ينطوي على تساؤلات هي الأولى من نوعها من قبيل ما طرحت تلك الأصوات الناقدة بعد كارثة تفجيرات سبتمبر.