ما أشبه الأمس باليوم وكل يوم مر على الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ نشأت هذه الدولة العظمى المارقة على جماجم أبناء قبائل السكان الأصليين في أواسط الألفية المنصرمة. بالأمس كان الاعتداء على فيتنام وكانت الهزيمة النكراء لقوات الاحتلال واليوم جاء دور العدوان على العراق والهزيمة النكراء التي تمنى بها قوات الاحتلال الأنجلو ـ أميركي هناك.
شاهد من أهلها شهد أخيراً على ذلك حين أقرت النتائج التي توصلت إليها لجنة بيكر - هاميلتون لدراسة مستقبل العراق عدم جدوى «إستراتيجية التزام المسار»، التي سار على نهجها بوش وإدارته العقيمة في العراق، ذلك أن تلك الإستراتيجية، حسب التقرير، غير قابلة للتنفيذ بالمرة.
ومع ذلك، فإن هذا التقرير، الذي طال انتظاره، ينطوي على العديد من المغالطات وجوانب الخلل البنيوي، التي تشمل عناصر جوهرية من المستحيل بدونها حتى مجرد قراءة الوضع العراقي بصورة سليمة، ناهيك،طبعا، عن إيجاد مخرج من الأزمة الطاحنة هناك. وأبرز جوانب هذا الخلل إنما يكمن في عملية التشخيص ذاتها التي بدونها لا يمكن إعطاء وصفة سليمة قادرة على علاج الداء الحقيقي.
أولاً: إن التقرير تعامل مع قوات الاحتلال الأنجلو ـ أميركي للعراق ليس على أساس أنها تمثل طرفا في الصراع إن لم نقل الطرف الأساسي فيه وهذا خطأ تشخيصي قاتل يحيلنا إلى سؤال منطقي هو: هل بات الشأن العراقي شأناً أميركاً صرفاً لا تستطيع جهات إقليمية أو دولية إبداء الرأي حوله أو التدخل فيه إلا وفق المشيئة الأميركية؟ ولماذا لا يعقد مؤتمر دولي حول العراق أو بالأحرى أن تناقش قضيته في أروقة الأمم المتحدة، التي يجب أن تتحمل المسؤولية الأولى عن الوضع هناك على غرار الكثير من مناطق التوتر حول العالم.
ثانياً: إن التقرير تعامل مع فصائل المقاومة العراقية على أنها ميليشيات متمردة لا وزن يذكر لها. وهذا خلل تشخيصي مميت آخر بدونه هناك استحالة للولوج إلى قلب الحرب في العراق، الدائرة على أكثر من صعيد داخلي وخارجي، خصوصا بعد أن ثبت بالملموس أن الأوراق السياسية التي بحوزة تلك الفصائل هي أوراق ذات طابع استراتيجي وبالتالي فإنه لا يمكن المرور عليها مرور الكرام إذا ما أردنا قراءة الوضع السياسي العراقي قراءة صحيحة قادرة على أن تقودنا إلى نتائج صحيحة.
ثالثاً: أغفل التقرير ردود الأفعال المتوقعة حيال ما توصل إليه من نتائج. وهذا خلل تشخيصي ثالث بدونه لا يمكن كذلك الوصول إلى بر الأمان. فكيف لتلك النتائج أن ترى النور وغالبيتها مرفوضة قطعياً من قبل الطرف الأساسي في الصراع المتمثل بإدارة بوش، التي وضعت فيتو ثقيل الظل على أهم تلك النتائج ومنها:
1 - رفض الحوار أو التحدث إلى إيران وسوريا.
2 - رفض ربط حرب العراق بالقضية الفلسطينية.
3 - رفض وضع أي جداول زمنية لانسحاب قوات الاحتلال من العراق.
4 - رفض معاقبة الجهات الرسمية العراقية على عدم إحراز تقدم في الميدان الأمني.
رابعاً: فيما يتعلق بمسألة الأداة، التي لا غنى عنها في كل الأحوال لتنفيذ أي من نتائج التقارير، أغفل التقرير هذا الجانب وكأنه يريد أن يوحي لنا بأن الأداة المناسبة هي الاحتلال بحد ذاته، لكن كيف تستوي الأمور عندما يكلف الجلاد بلعب دور الحكم.
خامساً: لم يخطر ببال واضعي التقرير أن في أمر العراق جريمة كبرى وأن هناك مجرمين اقترفوها وأنه لكي تتاح إمكانية طي صفحة عذاباتها لابد من محاسبة أولئك المجرمين في المكان والزمان المناسبين دوليا، على اعتبار أن تلك الجرائم هي جرائم ضد الإنسانية من الطراز الأول.
سادساً: لم يأت التقرير على ذكر دوافع العدوان والذرائع التي ساقتها إدارة بوش لشنه ضد العراق وكيف تقلبت تلك الدوافع وفق اللحظة السياسية الراهنة.
سابعا: اغفل التقرير اعتبار الحكومات العراقية المتعاقبة التي جاءت تحت راية الاحتلال والمسيطر عليها من قبل طائفة عراقية بعينها طرفا أساسيا آخر في الصراع وبالتالي لأنها لم تكن وليست مؤهلة كذلك للعب دور محايد في الصراع وأقل من ذلك بكثير أن تلعب دور الحكم بين الأطراف المتنازعة.
ثامنا: من الواضح أن التقرير يمعن في سياسة اعتبار دول المنطقة أحجار دومينو قابلة للتحريك وفق أهواء الإدارة الأميركية وبالتالي فإن واضعيه يعتبرون أنه من حق هذه الإدارة أن تكلف لاعبين إقليميين ثانويين بلعب أدوار أساسية في العراق وتقديم مكافآت من كيس لا يعود لا للإدارة الأميركية ولا غيرها حق التصرف به أصلا.
تاسعا: والأهم من كل ما سبق يكمن في عدم الاعتراف بفشل العملية السياسية القائمة في العراق منذ مجيء الاحتلال وكل ما ترتب ويترتب عليها من تشكيلات سياسية وأمنية واقتصادية... الخ منتهى القول إن ثمة بونا شاسعا بين الواقع السياسي المعاش في العراق وما خلصت إليه لجنة الحكماء العتيدة .
وانه حتى لو تم تطبيق كل ما خلص إليه تقريرها بحذافيره وهذا من سابع المستحيلات فإن ذلك لن ينقذ قوات الاحتلال من التمرغ في وحل المستنقع العراقي ولن يحفظ ماء وجه أحد في الإدارة الأميركية أو الحكومة البريطانية وعلى رأسيهما بوش وبلير.