مما لا شك فيه أن الإعلام اليوم يحظى بأهمية بالغة نتيجة الدور المهم الذي لا يمكن إنكاره والمتمثل في التأثير على جوانب كثيرة من حياة الإنسان بصورةٍ خاصة وعلى المجتمعات البشرية بصفةٍ عامة. ونتيجة لهذا الدور المهم وهذا التأثير الكبير جاءت تسمية الإعلام بالسلطة الرابعة بعد السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
لقد بدأ بريق الإعلام يزداد لمعاناً بوضوح ملامح الثورة الإعلامية التي رافقت اندلاع الثورة الصناعية واختراع التلفاز والراديو والصحافة التي تعتبر من أكثر وأقوى وسائل الإعلام انتشاراً وتأثيراً في العالم. فالإعلام يمثل بلا شك الأداة الهامة في مسألة الاتصال الجماهيري التي باتت تشهد توسعاً رهيباً في مجالاتها، وذلك تماشياً مع ثورة المعلومات والتكنولوجيا المتطورة. ومنذ اكتشاف هذه الوسائل الإعلامية نجد أنها قد ساهمت بشكلٍ مباشر أو غير مباشر في تكوين وخلق آراء ومواقف واتجاهات الأفراد في المجتمع نحو القضايا المختلفة.
يساهم الإعلام في نشر الأفكار والأيديولوجيات بمختلف أنواعها بين أفراد المجتمع. ومن المؤكد أن الإنسان قد يتأثر بها بصورةٍ أو بأخرى، وهذا بطبيعة الحال يسهم في تغيير موقفه أو اتجاهه نحو قضيةٍ ما أو قد يؤدي به إلى تبني فكرة مشاعة عبر وسائل الإعلام. فعلى سبيل المثال أثارت وسائل الإعلام ضجة كبيرة حول مقال المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون المعنون بـ «صدام الحضارات» والذي نشر في مجلة فورن أفيرز عام 1993.
وهذا الجدل الواسع أدى إلى ظهور ردود فعل متباينة ما بين المؤيد والمعارض لفكرة المقال التي ما لبثت أن أخرجت هذه المقولة من ثوب المقال إلى حيز كتاب يحمل في طياته نظرية صدام الحضارات.
ومن هذا وذاك يمكننا القول إن الإعلام يلعب دور الوسيط في نقل المعلومات والأفكار بين الشعوب، ويزيد من اتصال المفكرين ووصول مختلف الأفكار إليهم بفضل ثورة الإعلام والمعلومات الحديثة التي تساهم بشكل أساسي في إثراء الجانب الفكري لدى الأفراد إضافةً إلى تقليب الأفكار التي تصل من خلال الإعلام ونقدها سواء أكان بالسلب أم بالإيجاب. كما أنه من خلال هذا النقد والتقليب للأفكار يساهم في خلق قنوات للتواصل والحوار حول كل ما يطرح من أفكار في العالم.
من المعروف أن المجتمعات البشرية لا تبقى على حالٍ واحدةٍ بل إنها تتغير بتغير الظروف والبيئة المحيطة بها، والإعلام بدورة يؤدي دوراً فعالاً في عملية التغيير والتطور الاجتماعي لأفراد المجتمع. لأنه يعتبر شريكاً حقيقياً ومهماً في مسألة العملية التربوية. فنشر الثقافة ونقل المعلومات إلى كل فئات المجتمع هي مهمة توكل إلى الإعلام لإنجازها عن طريق توظيف الوسائل الحديثة والمتطورة في خدمة التربية والتعليم في المجتمع وتوجيه الأجيال القادمة توجيهاً سليماً.
فليس من قبيل المبالغة القول إن الإعلام الحديث اليوم يشكل بوابة يتدفق منها كمٌ هائل من المعلومات التي تؤثر في الإنسان وتمده بالمعرفة من جميع أقطار العالم. ففي ظل وجود إعلام حديث ومتطور لا يخفى على الإنسان أي حدث عالمي، فهو قادر اليوم على متابعة الأحداث العالمية التي تصل إلى ملايين البشر في غضون دقائق معدودة إن لم تكن ثواني.
حتى إن معظم الحروب الأخيرة في عصرنا الحديث أصبحت لا تخفى أحداثها وتفاصيلها على الأفراد في العالم فوسائل الإعلام اليوم تتابع تفاصيل الحروب خطوة بخطوة منذ انطلاق شرارة بدء الحرب حتى إطلاق آخر قذيفة.
ومن هذا النقل الإعلامي الحي والسريع لأحداث ومجريات الحرب جاءت تسميت الحروب المعاصرة الأخيرة بـ «الحروب المتلفزة» وخير مثال على ذلك حرب احتلال العراق وحرب العدوان الإسرائيلي على لبنان والتي نقلتها وسائل الإعلام إلى العالم بأدق التفاصيل الممكنة للحرب.
ومن خلال تأثير الإعلام على الفرد في المجتمعات البشرية ظهر هناك اتجاه لدراسة هذا التأثير الهام وهو الذي عرف بدراسات الرأي العام. فقد أصبح هذا النوع من الدراسات يحتل حيزاً يتزايد باستمرار من اهتمامات علم السياسة، وقد حققت هذه الدراسات تقدماً كبيراً في الوقت الحاضر.
فكثير من الدول النامية اليوم تنفق أموالاً كثيرة للتعرف على اتجاهات الرأي العام عن طريق أجهزتها الحكومية أو أحزابها أو جامعاتها أو غيرها من الهيئات، وهذا الاهتمام يعود بالطبع إلى اقتناع الدول والحكومات بأن الرأي العام يعتبر أحد العوامل الأساسية في تشكيل السياسة الحكومية والتأثير فيها.
يحتل الإعلام مكانة هامة في عالم السياسة. حيث إنه يشكل عنصراً فعالاً في كثير من المسائل التي تتلاقى فيها السياسة مع الإعلام. فكثير من العمليات السياسية اليوم يساهم الإعلام بشكل كبير في إنجاحها. فنجاح أية عملية سياسية دائماً ما يكون مرهوناً بكسب التأييد من قبل الرأي العام وقد يتم اللجوء هنا إلى توظيف وسائل الإعلام سياسياً من أجل إحداث التغيير المطلوب في وجهات نظر الجماهير.
وبالتالي فإن استخدام الاتصال السياسي للتأثير على جموع الرأي العام في أي مجتمع يجعلنا نلاحظ أن أحد أنواع الاتصال السياسي يؤثر بشكل كبير على شريحة الرأي العام بصورة فعالة يعرف بـ (الإعلان السياسي) ويعد هذا النوع المهم من أنواع الاتصال السياسي عاملاً أساسياً لا يمكن إغفاله أو الاستغناء عنه في العملية السياسية مثل: عمليات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في المجتمعات الديمقراطية.
وتعرف الباحثة الأمريكية ليندا كيد الإعلان السياسي بأنه العملية الاتصالية التي يدفع فيها المصدر ثمناً مقابل ما يتاح له من فرصة في وسيلة إعلامية يعرض فيها على الجماهير رسائل سياسية ذات هدف محدد ومقصود من أجل التأثير على مواقفهم وأفكارهم وسلوكهم.
وتزخر المناسبات السياسية وخاصةً الانتخابية منها برواج استخدام الإعلان السياسي وتوجيهه نحو الجمهور وذلك من أجل إحداث التأثير الذي ينجم عنه تغيير في مواقف وسلوك الرأي العام وهذا يتضح لنا بشكلٍ جلي من خلال الفترات الانتخابية في أي دولة والتي يتم فيها استخدام الإعلان السياسي والدعاية السياسية لتسويق المرشحين للانتخابات من أجل كسب أصوات الجمهور.
لكنه مع بروز أهمية الإعلان السياسي في وقتنا الحاضر إلا أنه قديماً لم يكن محط اهتمام ملحوظ من قبل القادة ورجال السياسة، ففي فترة سابقة من الزمن كان الإعلان السياسي يتجسد لنا من خلال الخطابة والملصقات والرسائل لكنه اليوم يحظى بأهمية كبيرة نتيجة التطور التكنولوجي في وسائل الإعلام الذي أدى إلى ظهور التلفاز.
فقد أصبح هذا الجهاز محل اهتمام كبير من قبل الساسة ففي إحدى الدراسات التي نشرت في مجلة عصر الإعلان الأمريكية ذكرت الدراسة أنه في فترة انتخابات أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في الكونجرس الأمريكي عام 1986 بلغ إجمالي الأموال التي صرفت على الإعلانات التلفزيونية أكثر من 450 مليون دولار أمريكي.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة وفاعلية التلفاز في التأثير على جماهير الرأي العام من خلال إيصال الإعلان السياسي إلى أكبر قدر ممكن من الجماهير والتي أكدت معظم الدراسات أن وسائل الإعلام المرئية هي من أكثر الوسائل متابعةً بين الناس.
ولا تقتصر علاقة السياسة بالإعلام فيما تم ذكره آنفاً بل تستمر علاقتهما في كثير من الأمور المشتركة بين الإعلام والسياسة. فالإعلام ومن دون شك يلعب دوراً مهماً في عملية التنشئة السياسية. والإعلام بوسائله المنوعة والمتطورة يعد مصدراً من مصادر التنشئة السياسية لدى الفرد، فوسائل الإعلام المختلفة بكل ما تحمل في طياتها من مضامين سياسية وغير سياسية تؤثر بصورةٍ أو بأخرى في تكوين الفرد سياسياً أو اجتماعياً.
كما يساهم الإعلام بصورةٍ كبيرة في تكوين وإثراء الثقافة السياسية لدى الأفراد. فإطلاع الفرد على ما يستجد من آراء وتحليلات متعلقة بالقضايا السياسية المطروحة على المستويين الداخلي والخارجي يأتي غالباً عن طريق نقل وسائل الإعلام لما يحدث على خشبة المسرح السياسي .
وبذلك يتلقى الفرد عبر متابعته لوسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة جملة من المعلومات والأحداث السياسية والتي تبلور ثقافة سياسية عند الفرد ويزيدكم المعرفة السياسية بزيادة تعرض الفرد لوسائل الإعلام التي يتلقى منها الجرعة السياسية التي تعزز لديه فكره وثقافته السياسية.
وخلاصة القول: إن السياسة والإعلام متلازمان بصورةٍ وثيقة. وكلاهما لديه بالغ الأثر على المجتمع بصورةً عامة، وعلى الفرد بصفةٍ عامة. فلا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر في كثيرٍ من المجالات المشتركة وذلك لكونهما فاعلين ومؤثرين في المجتمع البشري.
جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com