يكثر مسؤولو إدارة بوش بعد صدور تقرير مجموعة بيكر ـ هاملتون، من الحديث عن شؤون المنطقة العربية ولبنان بشكل خاص وليس العراق كما يفترض لكونه محور التقرير المذكور، وكل كلمة يقولها هؤلاء المسؤولون تؤشر أو تقدم لمواقف عدائية أو كيدية أو طائفية، والاستثناءات نادرة في هذ السياق.

تقرير مجموعة بيكر ـ هاملتون وضع خريطة طريق لإدارة بوش تمكّنها من الخروج «المشرّف» من المستنقع العراقي، ومن تحسين سمعة الولايات المتحدة في العالم، ومسؤولو هذه الإدارة يتحدثون عن انتصار موعود في العراق جنباً إلى جنب مع لبنان الذي يصرّون على وضعه ضمن برنامجهم الهجومي على المنطقة ومحيطها الإقليمي، ما يدفع إلى المزيد من السخط على مواقف الولايات المتحدة بشكل عام، وإلى طرح عشرات الأسئلة عما تريده إدارة بوش كذلك بعد كل الذي فعلته في المنطقة، وهو كله مدرج في المشروع الصهيوني. ‏

الواقع والتطورات والحقائق المترسخة تؤكد أن المحافظين الجدد صادروا قوة الولايات المتحدة وهيبتها لمصلحة ما يدور في رؤوسهم من جنون السيطرة والانحياز، والتلاعب بمقدرات الشعوب، وسفك الدماء، وهؤلاء يعقدون المؤتمرات الصحفية ويتحدثون بطريقة تُوحي إما أنهم يعيشون خارج الجغرافيا والتاريخ البشري وإما أنهم منقادون كلياً للمخططات الإسرائيلية، وكلّ من الحالين أخطر من الآخر على الولايات المتحدة أولاً وعلى المنطقة العربية ثانياً. ‏

العراق يحتاج أولاً وقبل أي شيء آخر إلى التخلص من الاحتلال، ويحتاج كذلك إلى الأمن وإعادة النهوض الاقتصادي. ‏

مجموعة بيكر ـ هاملتون حدّدت ملامح الطريق إلى هذا الهدف العراقي، وأكدت ضرورة الحوار مع سورية وإيران البلدين الجارين للعراق، وطلب مساعدتهما بشأن الوضع العراقي، والرئيس بوش وفريقه المحافظ يضعون الشروط تلو الأخرى في هذا المجال، ويتعمدون استفزاز البلدين عبر توجيه الاتهامات لهما، علماً أن البلدين لا يقصران في مساعدة العراق، ودورهما المساند للعراقيين من البدهيات، والمطلوب أن يفسح الاحتلال الأميركي المجال لهذه المساندة كي تؤدي دورها كما يجب. ‏

وبخصوص لبنان، مطلوب من مسؤولي إدارة بوش، وعلى رأسهم السفير جيفري فيلتمان، التوقف عن التحريض الطائفي والمذهبي في لبنان، ومن ثم الكف عن التدخل في الشأن اللبناني، وعندها يستطيع اللبنانيون بسهولة حل مشاكلهم. ‏

وبشكل عام فإدارة بوش مدعوّة، في ضوء تقرير مجموعة بيكر ـ هاملتون للمساعدة على حلّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والمساهمة في إعادة إطلاق عملية السلام وليس عرقلتها كما هو حاصل الآن، فالانسحاب الإسرائيلي من الجولان ومزارع شبعا والأراضي الفلسطينية المحتلة شرط لازم لابدّ منه لإحلال الاستقرار في المنطقة، ولا نظنّ أن السيد بيكر لم يؤكد هذه الحقيقة للرئيس بوش بشكل معمق وليس كما وردت في التقرير. ‏

هذا هو الواقع في المنطقة، فهل تتعامل معه إدارة بوش كما يفترض أم تستمر في جنوحها نحو الاتجاه الآخر بكل مخاطره ودمائه؟ ‏