بعد إعلان تقرير بيكر ـ هاملتون، هناك لغة أخرى صارت تعلو أكثر من أي وقت مضى في دهاليز صناعة القرار في الولايات المتحدة، مع أن الرئيس بوش مازال يصر على أن النصر ممكن أن يتحقق للأميركان في العراق، وهو إصرار الإنسان الذي يحكم نفسه بمنطق العزة بالإثم لا أكثر ولا أقل، أو كما كان يصر رامسفيلد على أن الإمبراطوريات لا تتفاوض مع الضعفاء، ولا تساوم على شيء أبداً لأنها الأقوى والقوي لا يتراجع أبداً!

اليوم يرحل عن صناعة القرار رامسفيلد، ويتبعه جون بولتون، وربما تبعهما آخرون.. فهذه هي ديناميكية النظام الديمقراطي في نهاية الأمر حين يحتكم إلى آلياته وقنواته الصحيحة، اليوم تعترف الولايات المتحدة عبر صحافتها بأنها أخطأت منذ اليوم الأول لها في العراق حين لم تستعن بإيران وسوريا، وبأن الوضع في العراق متفاقم إلى درجة الكارثة ولقد أثر على صورة الولايات المتحدة في الخارج وقلل من فرص انتشار الديمقراطية في الشرق الأوسط كما تريدها.

اليوم يقول لي هاملتون الذي ترأس مع جيمس بيكر لجنة دراسة الوضع في العراق بأن الوقت يضيق والوضع يتدهور في العراق، وأن التحرك يجب أن يكون سريعاً جداً، فلا يحتاج الأمر لأشهر، المسألة يجب أن تسوى في عدة أسابيع أو ربما بضعة أيام.

وإيران ستكون حاضرة في تحديد مستقبل العراق وهو أمر ليس من باب الأحلام المستحيلة، ولكنها الحقيقة التي كشف عنها جيمس بيكر وزير خارجية أميركا الأسبق حين صرح بأن بوش قد سمح له بالتحدث للحكومة الإيرانية مؤخراً في هذا الشأن. وهذا له من الدلالات ما له بعد جولات وصولات الملف النووي الإيراني.

«ديمقراطية في حاجة إلى الإنقاذ» هكذا قالت الواشنطن بوست منذ يومين، في نقدها لسياسة بوش في العراق وللعواقب الوخيمة لهذه السياسة، لقد شوه بوش وأركان حكومته قضية الديمقراطية وأحلام انتشارها والأكثر أنه ساعد في إحداث ردة فعل سلبية تجاه أساليب أميركا في نشر الديمقراطية والدعوة لها في المنطقة العربية.. فبعد العراق ما عاد أحد يصدق أميركا أبداً.

اليوم ونحن نراقب ما يحدث في العراق ولبنان والتجاذبات السياسية الحادة والخطيرة التي تسفر يومياً عن قتل متواصل في العراق وتعطيل وشل حركة الحياة في لبنان، نتساءل بعد ما جاء في تقرير بيكر حول ضرورة الجلوس إلى سوريا وإيران وإشراكهما في الملف الأمني العراقي عن كيفية الوصول إلى هذه الصيغة. كيف تشرك الولايات المتحدة نظامين معاديين لها، ترى أنهما مسؤولان عن فوضى العراق وإرهابه وعن فوضى لبنان وشل حكومته فهل ذلك ممكن؟ إذا كان ذلك ممكناً فأميركا تسير فعلاً بلا بوصلة أو أن البوصلة حدث فيها عطل ما بسبب الرئيس بوش وجماعته المحافظين الجدد.

sultan@dmi.gov.ae