وضع تقرير لجنة دراسة العراق التي رأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، والنائب الديمقراطي السابق لي هاميلتون الرئيس الأميركي جورج بوش، أمام حقيقة أن تحقيق الانتصار بالمفهوم الذي كان يتمناه بات شبه مستحيل، وان العمل الدبلوماسي بات مقدما على العمل العسكري، الذي أثبتت الأيام انه مثل الحرث في البحر، فكل الخطط العسكرية لمنع اتساع الفوضى على ارض الرافدين، لم تجد نفعا، فيما نزيف الدم يتواصل مع صباح كل يوم جديد.

التقرير الذي استقبلته أطراف عدة سواء أميركية أو خارجية بنوع من التقدير والثناء على جدية واضعيه، ركز على ضرورة تغيير إدارة بوش لمسارها في العراق، واتخاذ خطوات من شأنها الخروج من المستنقع العراقي بأقل خسائر ممكنة، باعتبار أن الخسارة قد وقعت بالفعل منذ اليوم الأول للذهاب إلى الحرب من دون أي سند شرعي دولي، اللهم من أولئك الذين استجابوا لشعار بوش «من ليس معنا، فهو ضدنا» ، فكانت النتيجة أن غالبية هؤلاء وجدوا أنفسهم أمام رياح غير مواتية، إن لم تكن حاصرتهم العواصف، وكانت سببا في هزيمتهم السياسية، كما حدث مع بوش نفسه في انتخابات الكونغرس، ورئيس الوزراء الايطالي السابق سيلفيو برلسكوني ومن قبل نظيره الاسباني ازنار.

وإذا كان التقرير كثف الضغط على بوش لتعديل المسار، وحض على البدء في في سحب القوات الأميركية من ساحة القتال، والدفع باتجاه خطوات دبلوماسية وسياسية جديدة لوقف الأزمة «الخطيرة والمتفاقمة» في العراق، فإن بوش الذي لا تزال المكابرة تركب رأس إدارته، حاول الالتفاف على تقرير لجنة بيكر- هاميلتون بإعلانه انه في انتظار دراسات جديدة من وزارة الدفاع (البنتاغون) والبيت الأبيض ووزارة الخارجية قبل الإقدام على خطوات حقيقية تحدث تحولا في سياسته صوب العراق.

كما أن عدم حماس بوش لتوصية لجنة بيكر بالحوار مع إيران وسوريا، من أجل العمل على إشراك جيران العراق في إعادة الاستقرار إلى ربوعه، التفاف مبكر أيضا على الأخذ بتوصيات اللجنة المذكورة.

بوش الذي استعجل إعلان النصر في العراق، قبل أن يعود إلى التشبث بإنهاء المهمة التي يلفها الغموض الآن، رفض أي سحب للقوات من المهام القتالية قبل عام 2008 وهي السنة التي تنتهي فيها ولايته، بما يوحي أن شيئا ملموسا على صعيد إنهاء احتلال العراق أو حتى وضع جدول زمني لذلك، لن يرى النور في عهده، وان الورطة الأميركية في العراق ربما ترحل إلى رئيس أميركي آخر، بما يعفي بوش من إراقة ماء الوجه وكأن مصائر الشعوب شيء، خاضع لرغبات السياسيين الشخصية.

فطبقا لبعض المحللين فان الغطاء الذي وفرته لجنة بيكر، للرئيس الأميركي من أجل القيام بتغيرات جذرية في العراق، سيتحطم على صخرة الحاجز النفسي الذي يمنع بوش من تقبل فكرة انه اخفق في إدارة الحرب على العراق، وهو بالتالي لا يستطيع حمل نفسه على الاعتراف بالفشل، الذي ظهرت نتائجه في هزيمة حزبه الساحقة في انتخابات الكونغرس في نوفمبر الماضي.

الجميع يحاول مساعدة بوش، غير أن الرئيس الأميركي يبدو غير راغب في مساعدة نفسه، من اجل الخروج من الفخ الذي علق فيه، بطريقة تحفظ للقوة العظمى ما تبقى من هيبتها التي وحلت في ارض الرافدين .

المكابرة لن تجدي نفعا، أمام استمرار تدهور الوضع في العراق، والأجدر الذهاب مباشرة إلى النهج الجديد الذي وضعت لجنة بيكر أسسه، وألا تعمل الإدارة الأميركية على إضعاف تلك الأسس لاعتبارات سيكولوجية تخص هذا السياسي أو ذاك،.

السياسة فن الممكن، كما هو معروف، وعلى بوش اغتنام الفرصة والعمل مع أركان حزبه وخصومه الديمقراطيين في المرحلة المقبلة، لضمان وقف تكرار الأخطاء التي وضعت الجميع في هذا المأزق.