أربع مسائل نووية تطرح نفسها بقوة على الوضع الدولي والإقليمي الشرق أوسطي وتؤشر إلى عودة ملف التسلح النووي بقوة على الأجندة الدولية، بعد ان تصور الكثيرون ان النظام النووي الذي كان قائماً على مفهوم توازن الرعب والذي نجح في منع حدوث أي حرب نووية طيلة فترة الحرب الباردة قد انتهى ولم يعد من الداعي التفكير في صياغة نظام جديد أو في تجديد قواعد هذا النظام لظروف مختلفة، طالما ان شبح الحرب الباردة واحتمال تحولها إلى حرب ساخنة بين الكبار، قد ولى إلى غير رجعة حسب هذه النظرة.
إعلان كوريا الشمالية عن امتلاكها لقدرة نووية ودخولها النادي النووي كعضو تاسع في هذا النادي، أزمة النووي الإيراني بين النووي «المدني» واحتمال التحول إلى النووي العسكري، الاتفاق النووي الأميركي الهندي الذي «باركت» من خلاله واشنطن ما اعتبرته الجزء المدني في البرنامج النووي الهندي وما نتج عن ذلك من تداعيات تشكل سابقة تخرق اتفاقية الحد من الانتشار النووي التي لم توقعها الهند القوة النووية، والحوار الدائر في الأوساط الاستراتيجية الإسرائيلية حول السياسة النووية الواجب اتباعها في إسرائيل ودعوة البعض إلى التخلي عن سياسة الردع الغامض أو ما يعرف «بالقنبلة في الملجأ» واعتماد سياسة الردع الواضح والمحدد بسبب تغير الظروف الإقليمية مع النووي الإيراني.
كلها قضايا طرحت بقوة وشدة المسألة النووية من جديد. لكن هنالك جملة من العناصر المدنية أيضاً التي تطرح المسألة النووية بقوة على المستوى الدولي منها الاحتياجات المتزايدة للنفط ومخاطر الصدمات النفطية مع الازدياد الهائل في الطلب على النفط بسبب النمو في «الجنوب» وتحديداً من قبل الصين الشعبية والهند، ثانياً الشعور في الغرب بمخاطر ازدياد درجة الاعتماد على استيراد النفط من دول بعضها ذات استقرار هش ومعرضة لمختلف أنواع النزاعات، وثالثاً ازدياد الوعي بقضايا البيئة والتلوث والاحتباس الحراري. كلها عناصر تدفع للتفكير بشكل أكثر بتعزيز مصادر الطاقة النظيفة وفي طليعتها بالطبع الطاقة النووية.
لكن إلى جانب هذه الاحتياجات المدنية يطرح الوضع الدولي القائم بعد نهاية الحرب الباردة وفي ظل وجود أزمات عديدة وانتشار الإرهاب وتقدم التكنولوجيا النووية وسهولة نقلها أو بيعها، يطرح مخاطر من نوع الانتشار القوي والواسع للقدرات النووية. ويقول البعض ان عدد الدول ذات القدرات النووية على مستوى الإمكانية العلمية والتقنية لإنتاج القدرة النووية يصل إلى أربعين دولة تقريباً وان هنالك العديد من الدول التي قد تفكر في امتلاك قدرة الحد الأدنى للنووي العسكري والإعلان عن ذلك حفاظاً على أمنها بشكل مطلق خاصة إذا شعرت انها دولة منبوذة أو انها لا تحظى بحماية شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية. ويشير البعض إلى النموذج الكوري الشمالي والإيراني بهذا الخصوص.
كما ان هنالك دولاً قد تضطر من أجل إحداث توازن نووي إقليمي يحميها مباشرة إلى التحول لامتلاك القدرة النووية العسكرية وفي هذا المجال يشير الكثيرون إلى ما يعرف بالنموذج الياباني وقوامه ان اليابان التي تملك أكثر من أربعين طناً من البلوتانيوم وقد اختارت لأسباب تاريخية، عسكرية وسياسية ونفسية بالطبع، ان لا تبني قدرة نووية عسكرية ورغم انها تؤكد على ذلك كل يوم الا انه مع التسلح النووي الكوري الشمالي قد تضطر اليابان عبر نظرة جديدة إلى أمنها أن تأخذ بعين الاعتبار المعطى النووي الكوري الشمالي قد تضطر إلى التحول إلى قوة نووية.
وهنالك بالطبع الدول التي تبحث عن المكانة الإقليمية أو تعزيز مكانتها الإقليمية والدخول في «النادي الخاص»: نادي الامتيازات النووية، مما يعزز من دورها السياسي في إقليمها المباشر. كل هذه المتغيرات في السياسة الدولية قد تدفع باتجاه حصول سباق نووي على مستوى أقاليمي إذ قد يجر بروز أي قوة نووية إقليمية إلى دفع القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة ذاتها إلى محاولة امتلاك قدرة نووية لجملة من الأسباب منها الأمني لتحييد «الآخر النووي» ومنها التنافسي السياسي ومنها أيضاً ما يتعلق بالصورة: صورة المكانة وصورة السمعة الأمر الذي يؤدي بدوره إلى قيام «نظم نووية إقليمية» قد لا تتسم بالتوازن المستقر.
وقد تؤدي ظروف نزاعات أو صراعات أو توترات إقليمية إلى انهيار استقرار هذه النظم وربما اللجوء إلى خيار نووي محدود ضمن السيناريو النووي الأسوأ أو ربما حصول حوادث نووية قد تكون لها تداعيات خطيرة ولو ان مسبباتها مدنية وغير عسكرية بسبب قصور في تكنولوجيا الأمن النووي أو قصور في العنصر البشري وفي قدراته في هذا المجال.
كلها عناصر تشير إلى مخاطر «دمقرطة» الانتشار النووي وتدعو لضرورة البحث في الملف النووي ككل دون ان يكون هنالك نظام جامد قائم على التمييز النووي بين كبير وصغير أو بين قوة وأخرى أو بين إقليم وآخر. هذه هي إحدى أهم التحديات ان لم يكن أخطرها في القرن الواحد والعشرين.
كاتب لبناني