انتظرت الدول العربية ثلاث سنوات لكي تصدر من خلال اللجنة الوزارية الخاصة بالعراق في الجامعة بياناً يدعو لحل الميليشيات في العراق فوراً وبناء القوات المسلحة وأجهزة الأمن وفق جدول زمني مرتبط بخروج القوات الأجنبية، والمرجو ألا ننتظر سنوات أخرى لنجد أنفسنا أمام نفس البيان، وربما بنفس الألفاظ.. ولكن عن لبنان.
في العراق.. كانت معظم الدول العربية تدرك أن غزو العراق سيكون مقدمة لكارثة تجتاح المنطقة العربية، وإن لم تكن هي ولا غيرها تتوقع أن تكون الكارثة بهذا الحجم. ومع ذلك ظل العجز العربي متسقاً مع العجز العالمي عن مواجهة قرار الإدارة الأميركية الواقعة تحت سيطرة اليمين الصهيوني بشن الحرب وتدمير العراق. لقد وقفت فرنسا يومها أمام المغامرة الأميركية ووقفت معها إلى حد ما روسيا والصين، كان الكل يحاول الدفاع عن مصالحه.
وأما أصحاب المصلحة الحقيقيون فكانوا غائبين. كانت العصابة التي استولت على القرار الأميركي قد وضعت العراق (بالتزوير المتعمد) ضمن ما أطلقت عليه «محور الشر» الذي جمع العراق إلى إيران وكوريا الشمالية. وكان الهدف محدداّ من البداية وهو العراق وحده، والأسباب ملفقة، والنوايا واضحة وهو ما أزعج فرنسا وغيرها من الدول الكبرى من سيطرة أميركية تفرض وصايتها على العالم كله..
ولقد جرى ما جرى بعد ذلك، وظل الغياب العربي حتى تم تدمير العراق وتحويله إلى مركز للإرهاب الذي جاء مع الاحتلال الأميركي، وحتى أصبح الخطر على العرب جميعاً ماثلاً بعد اشتعال الحرب الأهلية، وبعد أن أصبح تقسيم العراق اقرب إلى الحقيقية الواقعة، وبعد أن أصبحت القوي الإقليمية (إيران ثم تركيا) أطرافاً فيما يجري، بالإضافة طبعاً لإسرائيل التي كان تدمير العراق هدفاً أساسياً ساقت أميركا له بمختلف الوسائل.
وبالطبع لن يفيدنا ولن يفيد العراق أن نتساءل اليوم: هل كان الموقف يتغير لو كانت الدول العربية قد امتلكت القدرة أن تنضم إلى الشقيقة فرنسا في موقفها المعارض لغزو العراق؟ وأن تشارك مع الشقيقة الأخرى تركيا فترفض استخدام أراضيها في غزو العراق؟ هل كان الموقف يتغير لو انضمت الحكومات العربية جميعها لشعوبها التي أعلنت رفض الغزو الأميركي؟ وهل كان من الممكن إجبار واشنطن على أن تتعامل مع العراق كما تعاملت بعد ذلك مع كوريا الشمالية التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية أو مع إيران التي لا تنكر سعيها لامتلاك القدرات النووية، فيكون الحوار هو السبيل لحل المشاكل المعلقة، وتبذل كل الجهود لاستبعاد القوة؟
نعرف أن التساؤل لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ونعرف أن «الإرهاب» الذي مارسته الإدارة الأميركية على النظم العربية كان فوق احتمالها، وأن وقوع هذه الأنظمة بين ضغط الشارع وضغط واشنطن زاد عجزها عن اتخاذ الموقف الذي كان يمكن أن يجنب العراق ويجنب العرب الكثير، وأن هذه الأنظمة لم تتحرك إلا بعد أن أصبحت الهزيمة الأميركية في العراق أمراً لا جدال حوله حتى من الذين دبروا المؤامرة لغزو العراق، وبعد أن أصبحت واشنطن هي التي تطلب العون من الجميع للخروج «المشرف» من المستنقع الذي وقعت فيه بغزو العراق.
لكن التساؤل تبقي له مشروعيته حين نقرأ بيان الجامعة العربية الأخير حول العراق على وقع ما يحدث في لبنان وما ينتظر القطر الشقيق وينتظرنا جميعا إذا تكررت المأساة ولم نخرج من دائرة العجز، وتركنا مصيرنا بيد الآخرين.
الموقف الآن يختلف.. فأميركا في أزمة لبنان غيرها حين أقدمت على غزو العراق. أميركا الآن تدرك أن سياساتها في المنطقة فشلت، وأنها غير قادرة على مغامرة عسكرية جديدة، ووزير دفاعها الجديد يعلن على الملأ معارضته شن حرب جديدة ضد سوريا أو إيران، ووزيرة خارجيتها منهمكة في محاولة بناء تحالف مع ما تسميه «القوى المعتدلة» في المنطقة لمواجهة الآثار الكارثية التي نتجت عن غزوها للعراق.
الموقف الآن يختلف.. فأميركا تعيد صياغة سياساتها في المنطقة، ولكن أهدافها لن تتغير، وتواجدها سيستمر عسكريا لسنوات في العراق والمنطقة، ومصالحها الاقتصادية والسياسية ستسعى لتأمينها بكل الطرق. لكنها تعرف الآن أن هناك أطرافاً أخرى في المعادلة.. فلم يعد ممكناً التعامل مع الدول الكبرى في أوروبا على أنها «عجائز أوروبا» كما كان رامسفيلد يصفها، ولم يعد ممكناً إهدار إرادة المجتمع الدولي، ولم يعد ممكناً التعامل مع مشاكل المنطقة على ان القوة هي وسيلة حلها الوحيدة بعد تجربة أميركا في العراق وتجربة إسرائيل في لبنان، ولم يعد ممكناً تجاهل مخاطر امتداد الحروب الأهلية والطائفية من العراق إلى كل المنطقة، ولم يعد ممكناً «ابتزاز» الدول العربية ب«مخاطر» الديمقراطية وإمكانية فرضها من الخارج، بعد أن اصبح «النموذج الديمقراطي» العراقي كارثة طائفية وحربا أهلية، وبعد أن أصبحت الديمقراطية خياراً محتوماً للعرب ينبغي أن يتم تفعيله ذاتياً.
وكل هذه العوامل تنعكس على الوضع في لبنان.. فأميركا التي بدأت ـ مع اغتيال الرئيس الحريري ـ عملية ظنت أنها ستعوضها عن الخيبة في العراق وتسقط النظام في دمشق، تدرك الآن أن ما اعتبره الرئيس بوش «ثورة الأرز» التي ستنشر هي الأخرى الديمقراطية في العالم العربي كانت محكومة من البداية بتوازنات القوى الدقيقة في لبنان، وكانت محكومة أيضا بالاعتبارات الطائفية، وكانت محكومة أيضا بالاعتبارات العشائرية والقبائلية التي تجعل من أمراء الحرب الذين ادخلوا لبنان في حرب أهلية استمرت لأكثر من 15 سنة هم الذين مازالوا يتصدرون المشهد السياسي ويقودون التحرك «الديمقراطي!!» ويصطدمون في النهاية بحقيقة أن المصالح الخاصة والغنائم السياسية والاقتصادية هي الأساس ولو على حساب المصلحة الوطنية.
وتتداخل كل العوامل لكي تجعل من لبنان الذي صمد في وجه العدوان الإسرائيلي والتآمر الأميركي يقف الآن في قلب أزمة تهدد بتحويله إلى عراق آخر وحيث الفتنة الطائفية تدق الأبواب بعد أن اثر الكثيرون أن يلعبوا بالورقة الطائفية بعد أن خابت رهاناتهم السياسية.
كانت هناك أطراف في الأكثرية تنطلق في موقفها من أن الانسحاب السوري من لبنان ليس إلا الخطوة الأولى على طريق إسقاط النظام في دمشق وبالتالي سقوط حلفائه في الداخل، وتحدث أقطاب في الأكثرية عن أن إسرائيل ليست هي العدو بل سوريا، ووجهوا النداءات لواشنطن لكي تكرر في سوريا ما فعلته في العراق!!
على الطرف الآخر كانت المعارضة تتصور أن صمودها في وجه الغزو الإسرائيلي وأداءها البطولي في هذه الحرب، بالإضافة إلى الفشل الأميركي في العراق، وسقوط الإدارة الأميركية في الانتخابات التشريعية وانتقال العلاقة بين واشنطن ودمشق من المواجهة إلى استكشاف سبل الحوار، وربما التعاون.. كل هذه العوامل سوف تجعل الفريق الآخر يراجع موقفه، لكن ذلك لم يحدث.
وهكذا وصلنا إلى المأزق الحالي، وهو مأزق لا يدور حول المحكمة الدولية التي هي محل اتفاق عام من ناحية المبدأ، ولكنه يدور حول قضايا أهم. فالأكثرية تخشى من التراجع الأميركي في المنطقة ومن استعادة سوريا لفاعليتها السياسية.كما تخشى من ترجمة انتصار المقاومة في حرب يوليو إلى توازن قوي جديد في غير مصلحتها. والمعارضة تدرك أن الهدف الأميركي ـ الإسرائيلي هو في النهاية سلاح المقاومة، وهي لا تريد أن تترك القرار بشأنه لأحد في الداخل أو الخارج، وهي أيضا تخشى من أن يكون سلاحها ثمناً لتوافق محتمل بين واشنطن وطهران.
المهم أن أطرافاً عديدة حاضرة في الأزمة اللبنانية.. أميركا وفرنسا وروسيا ودول أوروبية أخرى وإيران وإسرائيل. والحضور العربي هنا يختلف عما كان في العراق وربما بسبب ما حدث في العراق، وربما بسبب الفشل الأميركي، وربما لان «الفيتو» الأميركي الذي كان موجودا على التحرك العربي في أزمة العراق لم يعد موجوداً لا في العراق ولا في غيره.. بل ربما كان العكس هو الصحيح!
لكن التحرك العربي ـ كالعادة ـ يواجه مشكلة اختلاف المواقف العربية وغيبة الاستراتيجية العربية لمواجهة مثل هذه الأزمات.. فسوريا موجودة ومعها علاقة مميزة بإيران لها سلبياتها وإيجابياتها في لبنان، وهي طرف أساسي فيما يحدث في لبنان في كل الظروف وتحت أي نظام. والسعودية ومصر تتحركان، والأمين العام لجامعة الدول العربية ذهب إلى بيروت بمقترحات محددة ربما لا يكون فيها جديد، ولكنها عندما تأتي من الجامعة العربية يكون لها تأثيرها.
لكن هذا التحرك يحتاج لأمرين أساسيين:
الأمر الأول: التحرك نحو بناء موقف موحد، فلا يمكن ان نترك لبنان يحترق، بينما سوريا في جانب، والسعودية ومصر في جانب آخر. والحوار بين الأطراف الثلاثة مطلوب أياً كانت العقبات، خاصة بعد تطور العلاقات بين سوريا والعراق، ومع الحاجة لكل جهد عربي فاعل للخروج من الأزمة، وحتى لا يتم تكريس الانقسام العربي الذي لن يصب إلا في مصلحة إسرائيل أساسا.
الأمر الثاني: أن انعكاسات الموقف في العراق وما انجر إليه القطر الشقيق من حرب طائفية، والمخاوف العربية من تنامي النفوذ الإيراني والخشية من مصالحة أميركية ـ إيرانية تكرس هذا النفوذ.. كل ذلك مفهوم ولكنه لا يبرر أن تتصرف أطراف عربية في لبنان وكأنها تنحاز لطائفة ضد أخرى، فالمظلة العربية ينبغي أن تتسع للجميع.. السنة والشيعة، والكاثوليك والمارونيين، وكل أطياف النسيج اللبناني.
فبهذه المظلة العربية الواسعة وحدها يمكن إنقاذ لبنان، ولعل لبنان إذا عبرنا معه الأزمة ـ يكون مدخلاً لنا كي ندرك أن التعامل ـ بالقطاعي مع الأزمات العربية لم يعد يجدي، وأن وجود استراتيجية عربية للتعامل مع قضايانا الأساسية لم يعد أمرا ثانويا يمكن تجاهله في وقت يعلن العالم كله ـ وفي مقدمته أميركا نفسها ـ أن مشاكل المنطقة لا يمكن التعامل الا كوجوه متعددة لقضية واحدة.
نقيب الصحافيين المصريين