التصعيد في خطاب أطراف الأزمة اللبنانية، سجّل قفزة نوعية، في الأيام الأخيرة، نحو المزيد من السخونة والفرز والتحدّي، وبذلك أخذت الأجواء المتوترة والمحتقنة أصلاً، شحنة مكثفة من الاندفاع باتجاه اللاعودة. الأمر الذي بات يخشى معه الكثيرون، من أن تصبح الأزمة محكومة بالسير في طريق تتحول معه إلى «شر مستطير». خاصة وأن المساعي والتحركات الجارية في كل اتجاه باتت تلهث متعثرة وراء التعقيد المتزايد بوتيرة عالية ومتسارعة وذلك بفعل انفتاح جبهة التراشق المتبادل على طولها، بكل أدواتها ومراتبها ومستوياتها.
وأخطر ما في هذا التصعيد هو ضمور الطابع السياسي للصراع وانتعاش طابعه الطائفي ـ المذهبي، بصورة غير مسبوقة فلأول مرة تدخل مرجعيات على الخط وترسم علناً الخطوط الحمراء مقابل مرجعيات، في الجبهة الأخرى، تصرّ على مطالبها؛ مع التلويح بالمزيد من الخطوات والتوكيد على عدم التراجع.
ويحصل ذلك وسط انفجار لغة التحريض الإعلامي، من كل صوب؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من تعبئة واستنفار للتسارع؛ وبالتالي من زيادة قابليته للاحتكاك وللتحول إلى قنبلة موقوتة، وفعلاً حصلت مثل هذه الأمور في بعض مناطق العاصمة، وتطويقها لم يقْوَ على منع تجددها، وها هي امتدت من بعض الشوارع إلى الجامعات في بيروت. خاصة في الجامعة اللبنانية، حيث شهدت بعض كلياتها أعمال شغب وتهديدات، مع توقف عن حضور الصفوف.
مثل هذا التراكم السلبي المتسارع، يشير إلى أن الأوضاع مفتوحة على الانفلات، بالرغم من جميع التطمينات، الذي قد يستعصي على السيطرة. النوايا الحسنة لا تكفي لوحدها، كضمانة كما يشير إلى أن عامل الوقت ليس بالضرورة حليفاً لمساعي الخير والعثور على مخرج، يعود بالبلد إلى حالة التهدئة وأجواء الحوار. خطوط التواصل والاتصال بين المعنيين من الجانبين، شبه معطلة وهي مهددة بالانسداد وحتى إشعار آخر.
والبلد لا يحتمل الانسداد وهذا هو الخطر الزاحف الآن، على الوضع اللبناني، ومن هنا الحاجة الشديدة لاستباق بلوغ الأمور، هذه النقطة، وهي حاجة تقتضي الاستعجال بالتحركات والجهود، العربية على وجه التحديد، في هذا السياق؛ والتي كانت قد انطلقت قبل أسبوع بزيارة أمين عام الجامعة العربية إلى بيروت ولقائه مع جميع الأطراف.
ربما المطلوب الآن، ليس فقط استئناف هذا التوجه؛ بل أيضاً رفده بعوامل التمكين. على الأقل لكبح جماح حروب الاتهامات ولغة الاستنفار وخطاب التأليب والشحن؛ الذي أخذ يرتدي الطابع المذهبي المكشوف.
وقف التقاذف بهذه الذخيرة صار بمثابة واجب الوجوب، إذا ما أريد لكرة الثلج اللبنانية المتدحرجة أن تكفّ عن الاندفاع نحو الهاوية. فاللبنانيون أمامهم سوابق للاتعاظ بها. على رأسها تجربتهم في الحرب الأهلية، والتجربة العراقية الجارية فصولها المأساوية الآن، وهي دروس ينبغي أن تكون، لوحدها، كفيلة لتحفيزهم على مقاربة أزمتهم بما يؤدي إلى ترجيح كفة التفاهم والرجوع عن شفير الهاوية. اللّهم إذا عملوا بمنطق هذه الدروس، وهو خيار النجاة الوحيد.