سجل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بخصوص مواقفها من المبادرات والمقترحات الدولية، وهو سجل حافل بالرفض والاعتراض والتحفظات على اختلاف انواعها، لم يكن يوحي على الاطلاق بان هذه الحكومة ستستقبل تقرير بيكر - هاملتون الذي نشر امس الاول بالترحاب او الموافقة او حتى الصمت المعبر. فما ان صدر هذا التقرير حتى انبرى السياسيون والمعلقون والناطقون الرسميون وغير الرسميين له بالنقد والاعتراض والرفض المطلق وخصوصا ذلك الجزء من التقرير المتعلق بالتسوية السلمية للصراع العربي - الاسرائيلي وعلى وجه التحديد المسار الفلسطيني - الاسرائيلي.

وانصبت الانتقادات الرسمية والاعلامية الاسرائيلية على جملة واحدة من التقرير لا تتصل بشكل مباشر لا بتسوية القضية الفلسطينية ولا بتعزيز التهدئة في العراق وانما اشارت الى الربط والتلازم بين حل القضية الفلسطينية وايجاد الظروف التي من شأنها التخفيف من اعمال العنف وحماية المصالح الاميركية في العراق خاصة والمنطقة العربية على وجه العموم.

وامتلأت اعمدة الصحف الاسرائيلية وامواج الاثير الفضائي والمسموع بشتى التعليقات والتحليلات التي في مجملها تحمل هجوما على هذه الفقرات من التقرير بالذات وتستهدف نفي اي ارتباط بين القضيتين الفلسطينية والعراقية وتطالب بعدم تحميل اسرائيل اثقال واعباء التورط الاميركي في العراق حتى وان كان كبار المسؤولين الاميركيين يؤكدون ان حرب العراق والاطاحة بصدام حسين خدمت المصالح الاسرائيلية ووفرت لاسرائيل ظروفا من الامن لم تكن موجودة زمن النظام العراقي السابق.

وما يلاحظ على الموقف الاسرائيلي هو تركيزه على الامور الهامشية التي لا تتعامل مع جوهر التوصيات الواردة في التقرير وانما تسعى كما يبدو الى الهاء الرأي العام الخارجي بشواغل ومتاهات تبعده عن مضمون التوصيات ونصوصها. فالتركيز على مسألة الترابط او عدم الترابط بين فلسطين والعراق ليس هو بيت القصيد في تقرير بيكر - هاملتون وانما كان يجب تسليط الاضواء على دعوة التقرير الى تطبيق قراري مجلس الامن الدولي 242 و 338 المطالبين بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 1967 ومقايضة الارض بالسلام.

وهذه هي البنود الجوهرية في التوصيات وهي التي لم تجد اي صدى من قبل الحكومة الاسرائيلية والاصوات والاقلام الرسمية والاعلامية التي واجهت التقرير بالرفض والاحتجاج وربما الادانة دون ان يكون لهذا الموقف ما يبرره لجهة المضمون العملي والواقعي للتوصيات الواردة فيه.

والموقف الفلسطيني من التقرير، بالمقارنة مع الموقف الاسرائيلي، كان ينطلق من جوهر التوصيات التي تضمنها ولم يشر الى الترابط بين القضيتين الفلسطينية والعراقية حتى وان كان هناك الكثير مما يمكن قوله بهذا الصدد ولا يتصل مباشرة بالواقع الراهن في فلسطين والعراق . ومن هناك كان الترحيب الرسمي الفلسطيني بدعوة التقرير الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي ومساندة حل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية وتأييد اقامة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واحياء مفاوضات السلام المجمدة منذ اكثر من ستة اعوام.

والسؤال الذي لم تجب عليه المصادر الرسمية الاسرائيلية في موقفها من التقرير هو: لماذا لم يتضمن هذا الموقف تعليقا على العناصر والخطوات التي طالب بها التقرير وخصوصا تنفيذ قرارات الشرعية الدولية على اساس انهاء الاحتلال الاسرائيلي ومقايضة الارض بالسلام؟.