أخيراً صدر تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون ليقدم كما وصف الرئيس بوش «تقويماً قاسياً للغاية للوضع في العراق». القراءة الأولية للتقرير تشير إلى موضوعيته بدرجة معقولة، حيث يشير بوضوح إلى أهمية الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من العراق، وإجراء حوار مع كل الأطراف بما في ذلك دول الجوار خاصة سوريا وإيران.
وإذا كان البعض رأى في التقرير طوق نجاة للرئيس بوش كي يخرج قواته من المستنقع العراقي، بغض النظر عن حل المشكلات التي سببها احتلال تلك القوات للعراق، إلا أن ما بين سطور تقرير بيكر ـ هاملتون يحمل اعترافاً صريحاً بفشل السياسة الأميركية في المنطقة بصورة عامة وفي العراق على وجه الخصوص.
ولعل السؤال الأهم الآن هو مدى قابلية الرئيس بوش واستعداده للأخذ بمقترحات اللجنة خاصة في ظل وضع حزبه الحرج في الكونغرس الأميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب. فالتقرير بلا شك يشير إلى وجود انعطافة في الحراك السياسي الدائر بواشنطن، أو على الأقل الاعتراف بخطأ تقديرات إدارة بوش بالعراق، وبالتالي الرضوخ إلى حقائق ما يجري على الأرض، وهو ما حاول التقرير تجسيده والتعبير عنه.
وإذا كانت كل أوراق اللعبة ليست بالضرورة محصورة في يد الرئيس بوش القابع خلف المكتب البيضاوي بواشنطن سنتين أخريين، فإن الأطراف العراقية مطالبة بالتحرك والعمل معاً ووضع مصلحة وطنهم فوق أي مصالح شخصية أو انتماءات مذهبية أو عرقية.
ولعل أهم ما جاء في تقرير بيكر ـ هاملتون تلك الحقيقة التي حاولت إدارة بوش ومن قبلها إدارات أميركية كثيرة تجاهلها، وهي أن القضية الفلسطينية العادلة هي لب الصراع والأزمة في المنطقة، وبالتالي فإن حلها وإحلال السلام الشامل بين العرب وإسرائيل، بما في ذلك التزام الرئيس بوش في عام 2002 بحل يقوم على دولتين لإسرائيل والفلسطينيين،
هو السبيل الأمثل لتخفيف الاحتقان في العراق ولبنان والمنطقة بصورة عامة، وفي هذا السياق يمكن فهم أبعاد الدعوة لفتح حوار مع دول الجوار العراقي خاصة دمشق وطهران لقناعة اللجنة أن الاستقرار في المنطقة يمر عبر هاتين البوابتين، فالأولى مازالت أرضها محتلة من جانب إسرائيل، والثانية لها مشكلات مع واشنطن حول برنامجها النووي وقضايا أخرى ثنائية.
في النهاية تبقى حقيقة ويظل سؤال: الحقيقة أن تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون، قد وضع يده على الجرح الأميركي بالعراق، وحاول مد بوش بطوق للنجاة، من خلال عدة أفكار تتجاوز النطاق الجغرافي العراقي، لتصل إلى لب الصراع بالشرق الأوسط. أما السؤال وهو الأهم فهو هل سيأخذ الرئيس بوش بما جاء من توصيات في التقرير؟
من الواضح أن بوش ومن خلال وضع حزبه الحرج بالداخل والانتقاد العالمي لسياسته بالخارج، سوف يكون مضطراً للأخذ ببعض توصيات اللجنة على الأقل. وفي هذا الإطار جاءت إشادة بوش والمتحدث باسمه توني سنو بالفرصة المتاحة من خلال تعاون المجموعة المؤلفة من جمهوريين وديمقراطيين بالتساوي من أجل التوصل إلى تهدئة سياسية.
خلاصة القول إن واشنطن محتاجة لمراجعة وجودها وخططها وبرامجها المتعلقة بالعراق لمواجهة الوضع المتدهور هناك، وتلمس كل الطرق التي تقود إلى حل الأزمة العراقية عبر الحوار مع جميع الأطراف، لا عبر التصادم مع بعضها، وكي تنجز المهمة ويكتمل العمل ويضمن له النجاح،
فلا بد من التحرك السريع والجاد لإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لأنه بدون ذلك لن يكون هناك سلام أو استقرار بالعراق والمنطقة بصورة عامة، وليت إدارة بوش تدرك الدرس وتملك من الشجاعة ما يؤهلها للاعتراف بخطأ حساباتها، لتقدم بذلك نموذجاً لدول العالم في الشفافية والجرأة في مراجعة الحسابات، حتى يمكن لسياستها أن تلقى التجاوب والاحترام من كل الأطراف.
haniihanii@hotmail.com