أتردد على دول الخليج العربي منذ السبعينات، وكنت أزورها جميعاً حين اشتغلت في حقل النشر، لأمثل بلادي أو إحدى مؤسساتها في معارض الكتاب التي تقام هناك سنوياً، وقيض الله لي أن تعرفت على جانب متميز من مجتمعات الخليج وهو شريحة المثقفين والعلماء وأهل الرأي من الخليجيين ولكن أيضا من النخبة العربية العاملة في الخليج أو اللاجئة إليه من قمع بعض الجمهوريات التي كانت تنعت بالتقدمية آنذاك.
ومن المؤسف أن ينسى البعض منا اليوم ذلك الفضل لأهل الخليج حينما كانت عواصم الخليج هي باريسنا ولندننا وستوكهولمنا، نلجأ إليها إذا ما انسدت في وجوهنا أبواب بلداننا، وأوصدت أمامنا قلوب أهلنا، فنجد في الدوحة ومسقط والمنامة وجدة ودبي والكويت أهلاً كراماً ولقمة شريفة وسقفاً يأوينا بل ونكتب ونفكر ونعمل لنرد بعض الخير لأهل الخير.
وإني لا أحصي عدد المثقفين العرب وعلماء المسلمين الذين التقيت بهم خلال الأعوام الماضية بدءاً بصاحب موسم الهجرة إلى الشمال الكاتب الكبير الطيب صالح إلى صاحب الموسوعة الإسلامية الشيخ يوسف القرضاوي مروراً بمفكرين أجلاء أمثال د. جمال الدين عطية صاحب مجلة المسلم المعاصر المصرية الجامعية إلى د. عدنان زرزور
الذي جمع بين سماحة العالم الشامي ولطف المثقف المتفتح وأيضا د. عبد المجيد النجار الحاصل على جوائز عالمية في دراسة الأسرة المسلمة وقضايا الفكر المستنير، إلى د. كمال بن عمارة من أفضل خبراء تكنولوجيا النفط إلى د. رامي ديابي السوري الطبيب الذي يشن حربا عربية شعواء على داء التدخين وغير هؤلاء ممن ضاقت بهم سبل العمل الكريم في بلدانهم حينا من الدهر فوجدوا في الخليج فضاءات للإبداع والعيش الكريم والعمل الصالح لما فيه خير أمتهم. وعرفت هؤلاء إلى جانب النخبة الخليجية المتقدة علما وحماسا وتطول القائمة عن ذكر الأسماء لكثرة أهل الفضل هناك، وقد تشرفت بالتعرف الى شيخهم العالم الجليل عبد الله الأنصاري طيب الله ثراه.
واقتنعت بعد زمن بأن هذه البلدان التي كان بعض الجهلة من العرب يلقبونها بالنفطية ويحصرون دورها في ضخ النفط ويختزلون تقاليدها في التبذير ويوجزون تاريخها في الصحراء إنما هي مجتمعات حية ومتفاعلة مع محيطها وتتميز بقدر من الحرية والكرم والأصالة مكنتها من الحفاظ على سلامتها وتقدمها في عالم متشعب ومعقد يفرض نواميسه علينا جميعا.
واني أشهد للتاريخ بأن السبل التي انتهجتها جل المجتمعات الخليجية نحو الحداثة والمشاركة الشعبية والخيارات الديمقراطية إنما هي سبل أصيلة غير مستوردة بل نابعة من تراثنا ومنطلقة من قيمنا. وقد لمست عن كثب أولى عمليات الممارسة الديمقراطية بالكويت وعاينت إشراك النخبة في القرار السياسي بسلطنة عمان
حين دعيت في أواسط الثمانينات لاحتفالات الشعب العماني بالذكرى العاشرة لاستلام جلالة السلطان قابوس عرش البلاد وحين عايشت عن قرب بداية الانتخابات الحرة في قطر وتابعت المسار الحثيث للانفتاح الحقيقي في الإمارات، بدون شعارات زائفة أو تحريك الرحى بلا طحن،
بل إن التأني أكسب تلك التجارب انغراساً تدريجياً في العادات حتى نبلغ اليوم في المنامة على سبيل المثال شأوا بعيدا من مشاركة الرجل والمرأة بالتساوي في الانتخابات التشريعية دون ترديد شعارات تحرير المرأة أو تثوير المجتمع. وكان السقف المرتفع في حرية التعبير والنقد والإعلام هو الطريق القويمة للنهضة، مما بوأ صحافة الخليج المكتوبة ثم قنواتها التلفزيونية تلك المنزلة الرفيعة من الإشعاع العربي المستحق.
ومن محاسن الحظ أني عشت في إحدى هذه الدول: قطر على مدى اثني عشر عاما للتدريس في جامعتها والإسهام بقسط متواضع مع رجالها ونسائها في تأسيس وتحديث خلايا المجتمع المدني فيها، فكنت لا فرق بيني وبين من ولد فيها، ولا تمييز بيني وبين من يحمل جنسيتها إلا بما نقدم من عمل صالح، وهذا الشعور الذي تسرب إلى كل أفراد أسرتي وعيالي جعلني لا أشعر بغربة ولا أحس بقطيعة.
ومن الدوحة كنت أتنقل عبر أبوظبي ودبي ومسقط والمنامة والرياض لحضور مؤتمر علمي أو المشاركة في مناسبة ثقافية، فأزداد يقيناً بأنني في وطني. هذه التحية لا تنفي بأن في الخليج مشاكل وقضايا كأغلب بلاد الله وأنا أدرك بأن تلك النخبة الخليجية المتميزة بصدد معالجتها بحكمة وروية وثبات، ضمن إستراتيجية التضامن العربي الإسلامي العميق والصادق لأن ذلك هو قدر الخليج ومصيره ومحيطه الحضاري الطبيعي. وآخر دعواي القول: اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنة وبوأها مقام السلام والتقدم والقوة والمنعة، انك العزيز القدير.
alqadidi@hotmail.com