«حربنا ناجحة على مدار ثلاثة أسابيع، وسلامهم فاشل على مدار ثلاثة أعوام». اقتباسٌ ورد في العدد الأخير من مجلتي «فانيتي فير» و«نيويوركر»، ومثل هذا التنصل الذي يخدم المصلحة الذاتية ربما يلخص بصورة أفضل تغير الميول لدى العديد من المؤيدين السابقين لحرب العراق من المحافظين الجدد.

بعض هؤلاء النقاد والمفكرين السياسيين الذين لديهم الآن أفكارٌ ثانية وثالثة كانوا قد طالبوا بأن تقوم أميركا بإسقاط صدام حسين في فترة مبكرة تعود إلى عام 1998. في هذه الأيام يتساءلون ما إذا كان الاحتلال الكارثي الحالي يبرر الحرب الفعالة التي استغرقت ثلاثة أسابيع عام 2003.

الأميركيون أنفسهم قاموا بالتغيير المفاجئ نفسه. فقد وافقوا يوماً على الحرب بغالبية 70 %. وبعد ثلاثة أعوام، اعتقدوا أنه كان خطأ بالهامش الواسع نفسه تقريباً. على غرار النقاد، يتبع الرأي العام نبض ساحة المعركة ـ الذي يبدو الآن أنه بات محصوراً بقصة العبوات الناسفة وعمليات التفجير الانتحارية الطائفية.

ولكن انسوا إشاعة «الكارثة غير المتوقعة». عوضاً عن ذلك دعنا نعيد دراسة السياسة اليتيمة الآن لجلب الديمقراطية إلى الشرق الأوسط- وليس الوالدان المتقلبان اللذان تخليا عنها. بكلمات أخرى، كيف وصلنا إلى العراق؟ إن التخلص من صدام حسين لم يحلم به ـ كما تذهب المزاعم في بعض الأحيان ـ المؤيدون الجبناء لإسرائيل. كما أنه لم يقم الرؤساء التنفيذيون للشركات المتعطشة للنفط أو محركي الدمى في هالبيرتون بشد الخيوط في الظلال للسماح لنا بالدخول.

والضوء الأخضر لم يمنح فقط بناء على قوة المخاوف الملفقة من أسلحة الدمار الشامل: فقد منح الكونغرس الأميركي التفويض بشن الحرب اعتماداً على 23 حجة مختلفة، بدءاً من انتهاك العراق لهدنة عام 1991 وصولاً إلى سجله في تقديم المال والملاذ للإرهابيين. عقد جورج بوش العزم على إرساء الديمقراطية في العراق أيضاً كطريقة لمواجهة ثلاث حقائق مروعة لماضينا الحديث.

أولاً، الولايات المتحدة كانت ودودة إلى حد بعيد مع أنظمة وحشية في الشرق الأوسط، وعندما كان يندلع مسلسل إراقة الدماء بصورة محتمة، سواءً داخلياً أو بين أنظمة عدائية، غالباً ما كنا نعمد إلى إثارة طرف ضد الآخر بصورة انتهازية. أو كنا ندعم المتمردين البغيضين، من دون التفكير بـ «الأثر العكسي» الذي سينتج عن هذا الأمر. كنا نصدر أسلحة متطورة وتدريباً لإسلاميين متشددين كانوا يقاتلون ضد الحكومة الأفغانية التي يدعمها السوفييت. كنا نأمل أن صدام ربما يوقف النظام الإيراني ـ ثم قمنا ببيع الأسلحة إلى ذلك النظام خلال فضيحة إيران ـ كونترا.

ثانياً، في لحظات حاسمة في الثمانينات والتسعينات، أشارت الولايات المتحدة إلى أنها ستقوم باستمالة أعدائها الإرهابيين بدلاً من الانخراط في العمل الصعب لاستئصالهم. لم نقم بشيء أكثر من تقديم اتهامات أو إطلاق صاروخ على القتلة الذين قتلوا مواطنين أميركيين، دبلوماسيين، وجنودا في شرق أفريقيا، لبنان، مدينة نيويورك، السعودية، واليمن. إن مغادرتنا للبنان، وفرارنا من الصومال، والتحليق باستمرار فوق سماء العراق لاثنتي عشرة سنة من دون إزالة صدام، لم تؤد سوى إلى ترسيخ صورة أميركا غير الواثقة بنفسها.

ثالثاً، غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الطريقة التي كانت الولايات المتحدة تنظر بها إلى الحالة الراهنة في الشرق الأوسط. فالهجوم كان من عمل إرهابيين وجدوا الدعم لدى بعض الأنظمة في الشرق الأوسط، وتجرأوا بفعل تراخينا السابق. ورداً على ذلك،

كانت الحرب في العراق جهداً لإنهاء الواقعية التشاؤمية والإرضاء المريح اللذين ينتميان إلى الماضي- ومن أجل معالجة مشكلات الشرق الأوسط التي- إن تم إهمالها- فإن من شأنها أن تفضي إلى هجوم إرهابي آخر واسع النطاق في الولايات المتحدة. أياً كان ما يعتقده المرء فيما يتعلق بأخطائنا بعد سقوط صدام، فإن هذه الحقائق الثلاث تبقى محورية بالنسبة للسياسة الأميركية الخارجية.

سيظل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري يتآمران في أفغانستان والعراق، وإلى أبعد من ذلك. ولن يوقفهم لا صواريخ كروز ولا مذكرات الجلب إلى المحكمة، وإنما من خلال ولايات متحدة بعزيمة قوية ومجتمعات شرق أوسطية تقوم بانتخاب قادتها وتتعايش مع النتائج.

يمكننا أن نضفي على الرئيس الأميركي بوش ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد سمة الأشرار كما نريد، أو أن نتمنى لو عرضا آراءهما بأسلوب أكثر لطفاً وبراعة. بإمكاننا أن نتمنى لو كانت الولايات المتحدة قد قامت بتدريب العراقيين وقتل الإرهابيين بصورة أفضل لنصون العراق.

ولكن الفوضى العامة ذاتها في الشرق الأوسط ستظل تواجه من سيأتي بعد بوش ورامسفيلد. وبعد أن يخبو الغضب الحالي بشأن العراق بوقت طويل، فإن فكرة مساعدة الإصلاحيين الديمقراطيين على مواجهة الإرهابيين، والنأي بأميركا عن الأنظمة الفاشلة التي تتناقض مع قيمنا، لن تتلاشى. وتلك المثالية الصارمة ستبقى، لأنها في النهاية الأمر الصحيح والذكي الوحيد الذي ينبغي القيام به.

خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لـ «البيان»